*
الثلاثاء: 24 فبراير 2026
  • 24 فبراير 2026
  • 21:37
التغول الجيلي بالتدرج في تعديلات الضمان تذكرة عبور للمسؤولين ومأزق مؤجل للشباب
الكاتب: م. معاذ المبيضين

كتب: معاذ المبيضين

تُطل علينا الحكومة اليوم بملامح جديدة لتعديلات قانون الضمان الاجتماعي، ملوحةً ببديل التطبيق المتدرج بدلاً من التنفيذ الفوري. وفي حين قد يقرأ البعض هذا التراجع التكتيكي بوصفه استجابة لضغط الشارع، إلا أن القراءة البنيوية العميقة تكشف عن مشهد من "التغول الجيلي" بامتياز. فهذا التدرج المقترح ليس إلا تذكرة عبور آمنة لجيل المسؤولين وصناع القرار الحاليين، الذين شارفوا على سن التقاعد، ليضمنوا مكتسباتهم كاملة، بينما يتركون للأجيال الشابة مهمة مواجهة القواعد القاسية للعقد الاجتماعي الجديد.

إن جوهر الإشكالية في التعديلات المقترحة يكمن في توقيتها وتصميمها. فالمسؤول الذي يدافع اليوم عن ضرورة الإصلاح وديمومة الصندوق، يحرص في ذات الوقت—عبر آلية التدرج—على ألا تمس هذه الإصلاحات مركزه القانوني أو المالي. اذاً فنحن أمام طبقة بيروقراطية تصيغ مستقبلاً لا تنوي العيش فيه، وتضع قيوداً لن تلتزم بها.

هذا التدرج يمثل فجوة أخلاقية في السياسة العامة؛ فهو يحمي من هم داخل منظومة صنع القرار حالياً، ويحمل الكلفة لمن هم خارجه أو في بداياته من جيل الشباب، هو نوع من الأنانية التشريعية التي تعطي الأولوية للاستقرار القصير الأمد لطبقة المسؤولين على حساب العدالة التوزيعية طويلة الأمد.
بينما يمر جيل المسؤولين عبر جسر التدرج نحو تقاعد مريح، يجد الشاب الأردني نفسه أمام واقع مشوه: اقتطاعات مرتفعة، سن تقاعد أبعد، ومعادلات احتساب أقل سخاءً. فالرسالة الضمنية التي ترسلها هذه التعديلات للشباب هي أن الضمان الاجتماعي لم يعد حليفاً لشيخوختهم، بل هو صندوق جباية لترميم أخطاء إدارة سابقة لم يشاركوا فيها.

إن تحميل جيل الشباب مسؤولية سد العجز الاكتواري عبر إطالة أمد اشتراكهم وتقليص منافعهم هو تغول صريح عليهم، فالشباب اليوم لا يواجهون فقط صعوبة في دخول سوق العمل، بل يُطلب منهم أيضاً أن يكونوا الممولين الحصريين لاستدامة نظام تآكلت مكتسباته قبل أن يصلوا إليها. هذا الخلل يضرب في مقتل مبدأ التضامن بين الأجيال، ويحوله إلى سخرة جيلية يخدم فيها اللاحقُ السابقَ.
إن خطورة التدرج تكمن في أنه يخدر الوعي الجمعي بالأزمة؛ فهو يجعل الضرر يبدو بعيداً وغير ملموس للأجيال الحالية من أصحاب القرار، مما يضعف الدافع نحو إصلاحات حقيقية في كفاءة الاستثمار أو حوكمة المؤسسة. وبدلاً من مواجهة المشكلة الهيكلية عبر حلول إبداعية في إدارة الأصول، تلجأ الحكومة لترحيل الأزمة زمنياً، واضعة إياها في حِجر الأجيال القادمة.

إن المساءلة الحقيقية يجب ألا تنصب على متى نطبق القانون، بل على لماذا يتم تحميل الشباب الكلفة الأكبر. فالاستدامة المالية التي تقوم على حرمان جيل من حقوق حصل عليها الجيل الذي قبله هي استدامة هشة، لأنها تفتقر للشرعية الأخلاقية والقبول الاجتماعي.

إن المراجعة الحكومية المطلوبة ليست مجرد تلطيف للبنود، بل هي ضرورة إعادة تعريف العدالة الجيلية. فلا يمكن أن تستقيم الحماية الاجتماعية إذا بُنيت على أنقاض آمال الشباب. فالمطلوب هو نموذج يوزع الأعباء والمكتسبات بشكل عادل، دون تمييز قانوني يستند إلى تاريخ الميلاد أو تاريخ دخول الخدمة.

يبقى التساؤل قائماً: هل يدرك صُناع القرار أن تذكرة العبور التي يمنحونها لأنفسهم اليوم قد تكون هي ذاتها فاتورة الاغتراب التي سيدفعها المجتمع غداً؟ فالقيمة الحقيقية للضمان الاجتماعي لا تُقاس بالأرصدة الدفترية، بل بمقدار الثقة التي يزرعها في نفس الشاب بأنه محميّ في وطنه، لا مستهدفاً في مستقبله.

مواضيع قد تعجبك