في ثقافتنا الاجتماعية، لا يحظى الإصغاء بالمكانة التي يستحقها. غالبًا ما نراه مجرّد تمهيد للنصيحة، لا فعل دعم قائم بذاته. ما إن نلاحظ أن شخصًا قريبًا منا لا يعيش وفق ما نراه “صحيحًا”، حتى نستعجل التدخل: نصيحة تجرّ أخرى، ثم عتاب، وربما قسوة نُبرّرها بالحرص.
لكن ما نراه من حياة الآخرين ليس سوى جزء صغير من حكاية أكبر. نحن لا نعرف كم مرة حاولوا ولم ينجحوا، ولا حجم العوائق التي واجهوها، ولا المعارك الصامتة التي استنزفت طاقتهم. نفترض أن الحل غائب عن وعيهم، بينما الواقع في كثير من الأحيان أن الحل حاضر، لكن القدرة على تطبيقه غائبة أو مُنهكة.
المشكلة هنا ليست في النية، بل في الوسيلة. نربط المساندة بالكلام، مع أن أعمق أشكال الدعم قد تبدأ بالصمت. الإصغاء الحقيقي لا يعني انتظار الدور للحديث، بل تعليق الأحكام مؤقتًا، وفتح مساحة آمنة للآخر كي يقول ما لا يستطيع قوله تحت ضغط النصائح والتقييم.
في عالم يزداد صخبًا، يصبح الإصغاء فعلًا نادرًا لكنه بالغ الأثر. هو لا يقدّم حلولًا جاهزة، لكنه يمنح شعورًا أساسيًا: أن الإنسان مفهوم، وغير مُدان في تعثّره، وغير مطالب بتبرير ألمه. كثيرون لا يحتاجون من يدلّهم على الطريق، بل من يجلس إلى جوارهم حتى يستعيدوا قدرتهم على السير بأنفسهم.
لعلنا نحتاج إلى إعادة تعريف معنى المساندة: أن نخفّض أصواتنا قليلًا، ونصغي أكثر، وأن نبدأ دائمًا بسؤال بسيط قبل أي نصيحة:
كيف حالك؟



