*
الاثنين: 23 فبراير 2026
  • 22 فبراير 2026
  • 18:17
التستوستيرون والصيام هل يهدم رمضان هرمون الرجولة أم يعيد ضبطه

خبرني  - في كل رمضان تتكرر الشكوى نفسها من تعب وفتور جسدي ورغبة أقل ثم حكم سريع يتلخص في عبارة "يبدو أن التستوستيرون هبط بسبب الصيام".

والتستوستيرون هو الهرمون الجنسي الذكري الرئيسي، وهو مسؤول عن تطور الخصائص الذكورية في جسم الرجل، مثل: شعر الجسم والوجه وكتلة العضلات وكثافة العظام، وهو الذي يتحكم في الرغبة الجنسية والحالة المزاجية.

في المخيال الشعبي، ساعات الجوع تعني هبوط "بطارية الرجولة"، لكن عندما نعود إلى الأدلة العلمية، لا نجد أن صيام رمضان ينسف هرمون الذكورة كما يتخيل البعض.

الصورة أكثر دقة وهدوءا توضح أن الصيام نفسه غالبا ليس المشكلة، بل ما نفعله فيه، أي كيف ننام؟ وماذا نأكل؟ وكيف نتحرك؟ وكيف ندير توترنا؟ فماذا تقول الدراسات فعلا؟

 

لماذا يشعر بعض الرجال بفتور في رمضان؟

لأن التستوستيرون ليس رقما ثابتا في ورقة تحليل، فمستواه بطبيعته:

•          يبلغ ذروته صباحا.

•          ينخفض مساء.

•          ويتأثر مباشرة بالنوم والتغذية والضغط النفسي.

دراسة نشرت عام 2011 في مجلة "جاما" (JAMA) بعنوان "تأثير تقييد النوم على مستويات التستوستيرون لدى رجال شباب أصحاء" قلص فيها الباحثون النوم إلى نحو 5 ساعات يوميا لمدة أسبوع، فظهر انخفاض ملحوظ في التستوستيرون، مع شعور واضح بتراجع الطاقة والحيوية.

في رمضان تحديدا، ما يتغير في حياة كثير من الرجال ليس الهرمون أولا، بل "المسرح" حوله:

•          النوم يتبعثر بين سهر ليلا ونوم مجزأ نهارا.

•          السهر يمتد أحيانا إلى ما بعد الفجر.

•          استهلاك السكريات والمقالي يرتفع ليلا.

•          الوزن قد يزيد بدل أن ينخفض.

عند جمع هذه العوامل، يصبح الشعور بالتعب والفتور مفهوما حتى لو كانت تحاليل التستوستيرون طبيعية. والسؤال هنا "هل المتهم هو الصيام أم السهر ونمط الحياة؟".

 

دهون البطن.. العدو الهادئ لهرمون الرجولة

السمنة، خصوصا الدهون الحشوية في البطن، ليست مجرد مسألة شكل، بل هي مشكلة هرمونية أيضية.

أوضحت دراسات في مجلة "الغدد الصماء والتمثيل الغذائي" أن الدهون الحشوية ترتبط بزيادة نشاط إنزيم الأروماتاز في الأنسجة الدهنية، وهو ما يحول جزءا من التستوستيرون إلى إستروجين ويسهم في خفض هرمون الرجولة.

في المقابل خلصت دراسة حديثة نشرت عام 2024 في مجلة كيوريوس (Cureus) إلى أن فقدان الوزن، خاصة خفض مؤشر كتلة الجسم والدهون الحشوية، يرتبط بارتفاع واضح في مستويات التستوستيرون وتحسن في التوازن الأيضي لدى الرجال المصابين بالسمنة.

هنا تظهر مفارقة رمضان:

•          يمكن أن يكون فرصة لتحسين الوزن والصحة الأيضية.

•          أو موسما لتكديس السكريات والمقالي ليلا وزيادة محيط الخصر.

من الناحية الهرمونية، دهون البطن عامل فعال يخفض التستوستيرون ويرفع مخاطر السكري وأمراض القلب، لا مجرد "مقاس بنطال".

 

القواعد الذهبية الأربع لحماية هرموناتك في رمضان

1- النوم أولا.. لا رجولة بلا نوم

النوم العميق هو الوقت الذي ينتج فيه الجسم أكبر قدر من التستوستيرون، وعندما تتحول ليالي رمضان إلى سباق مسلسلات وشاشات وقهوة وسهر حتى الفجر فأنت عمليا تغلق مصنع الهرمون في جسدك.

ما الذي يمكن فعله واقعيا؟

•          اجعل هدفك أن تنام نحو 7 ساعات إجمالية -ليل وقيلولة- قدر المستطاع.

•          اجعل الجزء الأعمق من نومك قبل الفجر لا بعده فقط.

•          خفف الشاشات والمنبهات في الساعات التي تسبق النوم.

من دون نوم كاف ومنظّم، لا مكملات ولا أعشاب ستعوض النقص.

2- طبق ذكي لا إفطار اندفاعي

ما تضعه في طبقك هو "المواد الخام" لهرموناتك، لا مجرد مكافأة لكسر الجوع. في كل إفطار وسحور، احرص على:

•          بروتين كاف من بيض وألبان أو بقوليات أو لحوم أو دجاج غير مقلي.

•          دهون صحية كما في زيت الزيتون أو حفنة مكسرات أو أسماك دهنية كالسردين والسلمون إن تيسّر.

•          خضار وألياف لتقليل اندفاع السكر ودعم الشبع.

•          واجعل الحلويات والمقالي استثناء لا قاعدة.

دهون البطن التي تُكتسب بصمت في ليالي رمضان قد تواصل خفض التستوستيرون ورفع مخاطر السكري والقلب طوال العام.

3- تمارين المقاومة.. الحديد الذي يصون رجولتك

تشير مراجعات في فسيولوجيا الجهد البدني إلى أن تمارين المقاومة ترفع مستويات التستوستيرون لفترة قصيرة بعد الجلسة، وتحافظ على الكتلة العضلية وحساسية الإنسولين على المدى الطويل.

في المقابل، يرتبط الإفراط في تمارين التحمل الطويلة مع نقص النوم والطاقة بارتفاع هرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول واضطراب التوازن الهرموني.

في رمضان، المعادلة الذكية بسيطة:

•          2-3 حصص مقاومة أسبوعيا تكفي.

•          في توقيت مناسب، ويفضل أن يكون قبل الإفطار بساعة تقريبا أو بعده بساعتين.

•          مع تجنب الجمع بين صيام طويل وتمرين عنيف جدا وإفطار ثقيل وسهر حتى الفجر.

4- قلل التوتر.. الكورتيزول ليس صديقك

الضغط النفسي المزمن يرتبط في دراسات نفسية وهرمونية باضطراب المحور الهرموني وارتفاع هرمونات التوتر على حساب هرمونات أخرى أكثر هدوءا للرجل.

في رمضان، الضغط لا يأتي فقط من العمل، بل أيضا من محاولة "النجاح في كل شيء" من عبادة وعمل وأسرة وعلاقات في وقت ضيق وظروف نوم مختلفة.

هدوء بعد التراويح وجلسة عائلية دافئة وقراءة وذكر أو دقائق من التنفس العميق، ليست رفاهية، بل هي جزء من حماية توازنك الهرموني.

 

ماذا عن الحقن الهرمونية؟

الهيئات التنظيمية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) تحذر من استخدام علاج التستوستيرون دون وجود:

•          أعراض واضحة لنقص الهرمون.

•          ومستوى منخفض مثبت مخبريا في أكثر من قياس صباحي (غالبا أقل من 300 نانوغرام/ديسيلتر).

في بيان أمان صدر عام 2015، حذرت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من استخدام علاج التستوستيرون دون وجود أعراض واضحة لنقص الهرمون مع مستويات منخفضة مؤكدة بفحوص صباحية متكررة، وأشارت إلى احتمال زيادة مخاطر الجلطات القلبية والدماغية في بعض مستخدمي هذه الأدوية.

الحقن ليست حلا سحريا لفتور سببه سهر وتراكم للسكريات وقلة حركة، وقد تؤذي رجلا طبيعي الهرمون أكثر مما تفيده. الخطوة الناضجة أن تراجع طبيبا متخصصا في الغدد أو المسالك إذا استمرت الأعراض بعد رمضان رغم تحسين نمط حياتك، لا أن تأخذ "نصيحة جيم" على أنها وصفة طبية.

 

برنامج رمضان الهرموني للرجل

بدل سؤال "ماذا يفعل الصيام بهرموناتي؟"، الأدق أن نسأل "كيف أتعامل أنا مع رمضان؟"، وإليك خطة مختصرة:

•          نوم إجمالي يقارب 7 ساعات يوميا.

•          تمارين مقاومة مرتين أو ثلاث مرات أسبوعيا في توقيت مناسب.

•          إفطار وسحور متوازنان: بروتين ودهون صحية وخضار.

•          تقليل السكريات والمقالي وتفادي السهر الثقيل والمنبهات.

•          استشارة طبيب إذا استمرت الأعراض بعد رمضان رغم تعديل هذه العوامل.

في النهاية لا توجد "مؤامرة بيولوجية" في رمضان ضد الرجولة. التستوستيرون لا ينهار لأنك صمت ساعات، لكنه يتأثر بشدة بنمط حياتك في تلك الساعات.

رمضان يمكن أن يكون شهر فوضى هرمونية أو فرصة سنوية لإعادة ضبط صحتك الجسدية والنفسية، والفرق بين الاثنين لا يحدده مستوى امتلاء معدتك، بل عاداتك.

 

 

لا انهيار هرموني

دراسة منشورة عام 2022 في مجلة "نوترينتس" (Nutrients) خلصت إلى أن أنماط الصيام المتقطع قد تخفض بعض مؤشرات هرمون الأندروجين -مثل هرمون التستوستيرون– لدى رجال نحفاء نشطين بدنيا، لكن هذه التغيرات تبقى في الغالب ضمن المدى الفسيولوجي الطبيعي، ولم تترجم في الدراسات المتاحة إلى تراجع في الكتلة العضلية أو القوة.

أما فيما يخص صيام رمضان تحديدا، تابعت دراسة منشورة عام 2005 في "المجلة الصحية لشرق المتوسط" مستويات التستوستيرون وهرمونات الغدة النخامية لدى 52 شابا صائما، ووجدت انخفاضا محدودا يحدث ضمن الإطار الفسيولوجي، دون تغير دائم في هرمون الرجولة.

في المقابل تظهر دراسات على التقييد الحاد والمزمن للسعرات -كما في الحميات القاسية جدا واضطرابات الأكل- انخفاضا ملحوظا في التستوستيرون لدى الرجال، وهو سيناريو مختلف تماما عن صيام رمضان مع إفطار وسحور متوازنين.

الخلاصة العلمية أنه لا يوجد دليل على أن صيام رمضان المنضبط يسبب "انهيار الرجولة"، لكن توجد أدلة أقوى بكثير على أن السمنة وقلة النوم والتوتر المزمن هي التي تضغط على هرمون التستوستيرون.

مواضيع قد تعجبك