أصبح استخدام الأطفال للإنترنت قضية عالمية متنامية، إذ أظهرت دراسات عدة أن الاستخدام المكثف للمنصات الرقمية يؤدي إلى انخفاض التركيز وزيادة العزلة الاجتماعية مع تغيرات سلوكية تؤثر على التحصيل العلمي في مختلف الدول. وفي الأردن، لم تختلف الصورة كثيراً فقد أظهرت الدراسات المحلية آثاراً سلوكية وتعليمية واجتماعية سلبية على الأطفال مما أدى لتراجع قدرتهم على التركيز، هذا وقد تحول حوالي ستة من كل عشرة أطفال مستخدمي الإنترنت إلى (غرباء رقميين): أي أطفال يصبحون معزولين اجتماعياً في الحياة الواقعية نتيجة الانغماس في العالم الافتراضي على حساب التفاعل مع الأسرة والأقران. كما رصدت حالات إدمان رقمي تنذر بضرر نفسي وتعليمي للأطفال، وهو ما يجعل القضية ليست مجرد سلوك فردي، بل أزمة بنيوية تتطلب حلولاً شاملة تجمع بين التشريع والتقنية والتربية.
استجابة لهذه المخاطر، وافق مجلس الوزراء الأردني على تشكيل لجنة وطنية لحماية الأطفال واليافعين من مخاطر منصات التواصل والإنترنت. وتهدف اللجنة إلى وضع إطار شامل لتنظيم دخول الأطفال للإنترنت، مع مراعاة القدرة المعرفية لكل فئة عمرية. ومن المبادئ الأساسية التي تسعى اللجنة لتحقيقها اعتبار سن 14 عاماً مرحلة يمكن للطفل خلالها استيعاب مفاهيم الهوية الرقمية والاستخدام الآمن للإنترنت. ومما لا شك فيه، فإن المسؤولية الجنائية تقع على المنصة الرقمية التي تسمح بتسجيل الأطفال أو تتداول محتوى ضار، إذ لا تتحمل الأسرة المسؤولية وحدها، مما يعكس تحولاً مهماً في العلاقة بين الدولة والمجتمع والمنصات الرقمية. هذا التوجه يتيح للأهل التركيز على التربية الرقمية لتعليم الأطفال إدارة وقتهم الرقمي وفهم الخوارزميات والتفكير النقدي.
إن النظرة العامة تقوم حول البُنى الفوقية التي تمثل إطاراً تحليلياً متكاملاً لحماية الأطفال رقمياً. فعلى المستوى التشريعي، تفرض الدولة معايير ملزمة للمنصات للتحقق من العمر والمساءلة القانونية الشركات عند المخالفة. وعلى المستوى التقني، يتم تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي لرصد السلوكيات الخطرة والمحتوى الضار وإرسال تنبيهات للأهل أو المدارس ما يضمن رقابة وقائية فاعلة.
أما على المستوى الاقتصادي، فتُحوّل الغرامات المفروضة على الشركات المخالفة (بنسبة 2–4% من الإيرادات العالمية) إلى صناديق لدعم التعليم والصحة، ما يحول المخاطر الرقمية إلى فرص تنموية مستدامة ويخلق سوق حماية رقمي جديد للأطفال. فالتربية الرقمية تكمل هذه البُنى الفوقية، حيث تساعد الأطفال على التعرف على طرق الاستخدام الآمن والتمييز بين المعلومات الصحيحة والمضللة وإدارة الوقت بشكل متوازن.
برأيي، أن حماية الأطفال في العصر الرقمي مسؤولية وطنية ومجتمعية متكاملة. فالدمج بين القانون والتقنية والتربية والاقتصاد يخلق بيئة رقمية آمنة وواعية ومستدامة تمنح الأطفال فرصة التعلم والإبداع دون التعرض للمخاطر. وهكذا يصبح الأردن نموذجاً حياً لكيفية حماية الأجيال القادمة في العالم الرقمي، من خلال إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والأسرة والمنصة الرقمية، وبناء جيل رقمي واعٍ ومسؤول، قادر على مواجهة تحديات العصر الرقمي بثقة ومعرفة، والمساهمة في تطوير مجتمع رقمي مستدام للجميع.



