*
الثلاثاء: 10 فبراير 2026
  • 10 فبراير 2026
  • 09:24
عطلة الثلاثة أيام
الكاتب: د. حسام باسم حداد

شهد نظام عطلة نهاية الأسبوع في الأردن تغيّرات تدريجية على مدار العقود الماضية، في استجابة لتحولات اجتماعية واقتصادية محلية ودولية. في البداية، كانت عطلة نهاية الأسبوع مقتصرة على يومي الخميس والجمعة، انسجامًا مع الخصوصية الدينية والاجتماعية،  حيث يحتل يوم الجمعة مكانة دينية في حياة المجتمع الأردني. مع مرور الوقت، ومع ازدياد ارتباط الأردن بالاقتصاد العالمي، أصبح من الضروري إعادة النظر في هذا النظام. ومع تزايد الحاجة إلى التفاعل مع الأسواق والمؤسسات العالمية التي تعتمد في الغالب أيام الاثنين إلى الجمعة كأيام عمل رسمية، اتخذ الأردن خطوة مهمة بالانتقال إلى عطلة الجمعة والسبت، كمحاولة للتوفيق بين الحفاظ على يوم الجمعة كعطلة دينية وتقليص الفجوة الزمنية مع العالم الاقتصادي الخارجي بما يخدم التجارة والاستثمار والتواصل المالي.
في الآونة الأخيرة، شرعت الحكومة الأردنية بدراسة فكرة إضافة يوم ثالث إلى عطلة نهاية الأسبوع، بحيث تصبح العطلة الأسبوعية مكوّنة من ثلاثة أيام. ويعود هذا الاقتراح إلى التطورات الاقتصادية والتكنولوجية، حيث أن الأسواق المالية العالمية تتوقف عن العمل يومي السبت والأحد، ما يجعل استمرار الدوام الرسمي في الأردن يوم الأحد أقل جدوى للكثير من الأنشطة المرتبطة بالتعاملات المالية والتجارية الدولية. فالتوسع في الرقمنة وأتمتة الخدمات الحكومية ساهم في تقليل الحاجة للحضور الفعلي للموظفين، مما يجعل تطبيق عطلة الثلاثة أيام أكثر واقعية. 
فعلياً، لا يحقق يوم الأحد قيمة مضافة حقيقية للقطاعات التي تعتمد على التنسيق مع البورصات العالمية أو المؤسسات المالية الدولية، بل قد يتحول إلى يوم عمل شكلي يترتب عليه تكاليف تشغيلية دون عائد اقتصادي ملموس. وعلى صعيد الإدارة الحكومية، ساهم التوسع في الرقمنة وأتمتة الخدمات في تقليل الحاجة للحضور الفعلي، ما يجعل تطبيق عطلة ثلاثة أيام أكثر واقعية، مع الحفاظ على جودة الخدمة وكفاءة الموارد. ومع ذلك، يجب ألا يشمل هذا التوجه القطاعات الحيوية مثل التعليم والصحة، التي تتطلب استمرار العمل وفق أنظمة خاصة، مع إمكانية تعويض يوم العطلة الإضافي بزيادة ساعات العمل للقطاعات الأخرى لضمان الحفاظ على الإنتاجية.  ولا يُعد هذا التوجه جديداً أو حكراً على الأردن، إذ تبنت عدة دول حول العالم والعالم العربي نماذج عمل مرنة. فالإمارات اعتمدت عطلة السبت والأحد مع نصف يوم يوم الجمعة في القطاع الحكومي، بينما جربت دول مثل آيسلندا واليابان وأوروبا نظام العمل لأربعة أيام بأثر إيجابي على الإنتاجية ورضا الموظفين.
اقتصادياً، تحمل فكرة عطلة الثلاثة أيام أبعاداً متعددة. فمن جهة، قد تسهم في تحسين جودة الحياة للعاملين وتعزيز التوازن بين الحياة المهنية والاجتماعية، الأمر الذي ينعكس إيجاباً على الرضا الوظيفي والإنتاجية على المدى المتوسط. كما يمكن أن تشكل فرصة لتنشيط السياحة الداخلية وقطاعات الخدمات، مع توفر وقت أطول للعائلات للإنفاق والترفيه. ومن جهة أخرى، تبرز تحديات لا يمكن تجاهلها، أبرزها ضرورة مواءمة القطاعين العام والخاص، وضمان عدم تراجع الإنتاجية أو تعقيد سلاسل التوريد والخدمات، مع إعادة هندسة ساعات العمل بما يحافظ على حجم الإنتاج السنوي ويمنع أي أثر سلبي على تنافسية الاقتصاد.
برأيي، فإن عطلة الثلاثة أيام ليست مجرد قرار إداري بل خيار اقتصادي واجتماعي يتطلب دراسة معمقة وشاملة، حيث يقاس نجاحه بجودة الخدمات وكفاءتها، وليس بعدد أيام الدوام، مع مراعاة خصوصية القطاعات الحيوية بما يؤسس لنموذج حكومي أكثر مرونة وكفاءة، قادر على تلبية احتياجات المواطن اليوم وفي المستقبل.
 

مواضيع قد تعجبك