*
الاثنين: 09 فبراير 2026
  • 09 فبراير 2026
  • 15:42
الدور الثقافي في التنمية الاقتصادية الشاملة
الكاتب: الدكتور زيد أحمد المحيسن

لم تعد الثقافة في عالم اليوم مجالًا رمزيًا منفصلًا عن مسارات التنمية، بل غدت أحد المرتكزات الأساسية للتنمية الاقتصادية المستدامة، لما تمتلكه من قدرة على توليد القيمة، وتحفيز الإبداع، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز رأس المال البشري. فالثقافة، بما تحمله من تراث وهوية ومعرفة وإبداع، تمثل موردًا غير مادي متجدد، يمكن توظيفه بفاعلية في بناء اقتصاد قائم على الإنسان وقدرته على الابتكار، لا على الموارد الناضبة وحدها.
على المستوى المحلي في الأردن، تتجلى أهمية الثقافة في دورها الحيوي في تنشيط الاقتصاد، ولا سيما من خلال السياحة الثقافية والصناعات الإبداعية. فالمواقع الأثرية والتاريخية مثل البتراء وجرش وأم قيس تشكّل رافدًا اقتصاديًا مهمًا، إذ تسهم في جذب السياح وتحريك قطاعات متعددة كالفندقة والنقل والخدمات، فضلًا عن توفير فرص العمل للمجتمعات المحلية. كما تمثل الحرف التقليدية، وصناعة الفسيفساء، والمشغولات اليدوية، نموذجًا واضحًا لتحويل التراث الثقافي إلى منتجات اقتصادية ذات قيمة مضافة، تعزز الدخل وتحافظ في الوقت ذاته على الهوية الوطنية. وإلى جانب ذلك، بدأت الصناعات الإبداعية الحديثة، كصناعة الأفلام، والتصميم، والمحتوى الرقمي، تشق طريقها في المشهد الاقتصادي الأردني، بما يعكس إمكانات واعدة لدمج الثقافة في الاقتصاد المعرفي.
أما على المستوى الإقليمي في المحيط العربي، فقد شهدت السنوات الأخيرة تزايدًا في الوعي بأهمية الثقافة كرافعة للتنمية الاقتصادية. ففي المغرب، أسهم الاستثمار في المدن العتيقة والصناعات التقليدية في دعم الاقتصاد المحلي وربط الثقافة بالسياحة المستدامة. وفي مصر، تمثل السينما والفنون والآثار أحد أعمدة الاقتصاد الثقافي، لما توفره من عوائد مالية وفرص عمل، فضلًا عن دورها في تعزيز الحضور الثقافي عربيًا ودوليًا. كما اتجهت دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، إلى إدماج الثقافة ضمن استراتيجيات التنويع الاقتصادي، من خلال دعم الصناعات الثقافية والترفيهية، وإنشاء المتاحف العالمية، والمناطق الإبداعية، وتنظيم المهرجانات الكبرى، مما جعل الثقافة عنصرًا فاعلًا في بناء اقتصاد ما بعد النفط.
وعلى المستوى الدولي، تؤكد التجارب العالمية أن الثقافة يمكن أن تشكّل قطاعًا اقتصاديًا محوريًا. ففي فرنسا، تُعد الصناعات الثقافية والإبداعية من الركائز الأساسية للاقتصاد الوطني، إذ تسهم في الناتج المحلي وتوفر ملايين فرص العمل عبر السينما، والنشر، والفنون، والمتاحف. وفي كوريا الجنوبية، تحولت الثقافة الشعبية، من موسيقى ودراما وألعاب رقمية، إلى قوة اقتصادية عالمية عززت مكانة البلاد الدولية وحققت عوائد ضخمة. كما تشكّل الصناعات الإبداعية في المملكة المتحدة أحد أسرع القطاعات نموًا، وأسهمت في إحياء المدن وتعزيز الاقتصاد القائم على الابتكار والمعرفة.
إن هذه التجارب، محلية كانت أم إقليمية أم دولية، تؤكد أن الثقافة ليست ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا للتنمية الاقتصادية الشاملة. فحين تُدمج الثقافة في السياسات التنموية ضمن رؤية متوازنة، فإنها تسهم في تحقيق النمو الاقتصادي، وتعزيز الهوية، وتنمية رأس المال البشري، وبناء اقتصاد أكثر استدامة وإنسانية. ومن هنا، فإن الاستثمار في الثقافة هو استثمار في الإنسان، وفي قدرته على الإبداع، وفي مستقبل التنمية ذات البعد الاقتصادي والاجتماعي والحضاري المتكامل.

مواضيع قد تعجبك