خبرني - أُطلق مؤخرًا مشروع "وصلنا بالسلامة" لتعزيز سلامة الفتيات والنساء في وسائل النقل العام، كمبادرة وطنية بالشراكة بين القطاعين الخاص والعام.
وجاء المشروع استنادًا إلى دراسة ميدانية رصدت أنماطًا متعددة من المضايقات والتحرش اللذين تتعرض لهما النساء والفتيات كأحد أنواع العنف القائم على النوع الاجتماعي في وسائل النقل العام خلال السنوات الثلاث الماضية، ويظهران الحاجة إلى تدخل مؤسسي منظم يعالج هذه الظاهرة بشكل شامل ومستدام، بحسب الغد.
وأطلق المشروع مؤسسة الاقتصاد النسوي برعاية وزارة النقل ومؤسسات مجتمع مدني، ويمتد على مدى 4 سنوات بهدف الحد من هذا العنف، وسيجري تطبيقه في مرحلته الأولى في العاصمة عمّان كنموذج عملي قابل للتطوير والتوسع لاحقًا، خلال الأسابيع المقبلة.
المشروع ضرورة ملحة
وقالت مديرة مؤسسة الاقتصاد النسوي الدكتورة ميادة أبو جابر ، إن المشروع يستهدف النساء والفتيات الأردنيات واللاجئات على حد سواء، موضحة أن نحو 30 % من الفئات المستفيدة من المشروع من اللاجئات السوريات، مؤكدة أن مخاطر المضايقات والتحرش في وسائل النقل العام تطال جميع النساء دون تمييز، وتشكل عائقًا مباشرًا أمام وصولهن الآمن إلى العمل والتعليم والخدمات.
وأشارت أبو جابر إلى أن توفير بيئة آمنة للنقل، يسهم في تعزيز مشاركة النساء في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ما يجعل من هذا المشروع ضرورة ملحّة وليس خيارًا.
ولفتت إلى أن المشروع جاء من منطلق افتقار النساء ذوات الدخل المحدود للدعم، وعدم شعورهن بالأمان خلال التنقل، وغياب وجود قواعد أو بروتوكولات واضحة أو تطبيقات فعالة ضد العنف المبني على النوع الاجتماعي في وسائل النقل العام.
وأكدت أن المشروع يؤسس لآليات تبليغ سهلة وفعالة تحمي خصوصية وهوية المشتكيات.
وبيّنت أبو جابر بأن مشروع "وصلنا بالسلامة" لتعزيز سلامة الفتيات والنساء في وسائل النقل العام يقوم على مقاربة شمولية تعمل على الوقاية والحماية، وتطوير السياسات والإجراءات الرسمية، ورفع الوعي المجتمعي، مؤكدة أن المشروع لا يهدف فقط إلى الاستجابة للحوادث بعد وقوعها، بل يسعى إلى منعها من الأساس من خلال بناء منظومة واضحة للإبلاغ والتعامل المؤسسي مع الشكاوى.
وأوضحت أن إطلاق المشروع جاء بعد إجراء دراسة ميدانية شملت مئات النساء والفتيات في مناطق مختلفة من العاصمة عمّان، ورصدت تعرض نسبة كبيرة منهن لأشكال متعددة من التحرش خلال السنوات الثلاث الماضية، بأشكاله المختلفة.
تطبيق ذكي للشكاوى
وأظهرت نتائج الدراسة التي أجرتها المؤسسة، بأن التحرش اللفظي كان الأكثر شيوعًا، تلاه التحرش البصري، ثم التحرش الجسدي، وهو ما شكّل الأساس في تحديد أنواع الشكاوى التي يتعامل معها المشروع وتصميم آليات التدخل والاستجابة.
وقالت أبو جابر إن أحد أبرز مكونات المشروع يتمثل في إطلاق تطبيق ذكي مخصّص لتلقي الشكاوى المتعلقة بالمضايقات والتحرش في وسائل النقل العام، موضحة أن التطبيق يستقبل ثلاثة أنواع رئيسية من الشكاوى تشمل المضايقات والتحرش اللفظي، والمضايقات البصرية مثل النظرات أو الإيماءات غير اللائقة، إضافة إلى التحرش الجسدي، وهذا التطبيق مدرج على تطبيق وسائل النقل العام.
وأكدت أن التطبيق لا يقتصر على تسجيل الشكوى، بل يتضمن إجراءات واضحة ومحددة للتعامل مع كل نوع من هذه الشكاوى، بما يضمن سرعة الاستجابة من العاملين والسائقين تحديدا، وعدم ترك التعامل مع الحالات للاجتهادات الفردية.
وبيّنت أن آلية الإبلاغ تتيح للنساء والفتيات تقديم الشكاوى بصفتهن متضررات أو كشاهدات، مع إمكانية الإبلاغ بشكل مُعرّف أو مجهول، بما يعزز الثقة ويشجع على كسر الصمت، مشيرة إلى أن البلاغات التي ترد عبر التطبيق تُحال مباشرة إلى الجهات المشغّلة المختصة وفق مسار محدد ومتفق عليه مسبقًا.
مشاركة جماعية
وفي السياق ذاته، أكدت أبو جابر أن المشروع تم العمل عليه بالشراكة مع عدة جهات من خلال لجنة استشارية، ضمت هيئة تنظيم قطاع النقل البري، والأمن العام، ووزارة التنمية الاجتماعية، واللجنة الوطنية لشؤون المرأة، وأمانة عمّان الكبرى، إلى جانب شركات تشغيل النقل، وعلى رأسها شركة رؤية عمّان الحديثة للنقل التي تم التوقيع معها على مذكرة تفاهم.
وشملت مذكرة التفاهم، تخصيص "أيقونة أو مؤشر" على تطبيق الشركة على الهواتف الذكية، لتسجيل الشكاوى بشكل مفصل مع التوثيق للصورة ورقم الخط للحافلة وغيرها من التفاصيل المطلوبة مع ضمان سرية المشتكية، وسيتم تشغيل التطبيق رسميا في غضون أسابيع وفقا لأبو جابر.
وأوضحت أن هذا التعاون يهدف إلى تطوير بروتوكولات رسمية توضّح بشكل دقيق كيفية تعامل السائقين والعاملين مع حالات المضايقات والتحرش داخل وسائل النقل العام.
وأضافت أن المشروع يتضمن ضمن مراحله اللاحقة أيضا، تدريب 400 سائق في وسائل النقل العام في العاصمة عمّان على هذه البروتوكولات، بما يضمن استجابة مهنية موحّدة تحمي المتضررات وتراعي حقوق جميع الأطراف.
كما يشمل المشروع تدريب 60 من مسؤولي الإدارة الوسطى لدى مشغلي النقل، بهدف ترسيخ الاستجابة المؤسسية وضمان استدامة الإجراءات وعدم ربطها بالأفراد.
وأشارت أبو جابر إلى أن المشروع سيعمل كذلك على تدريب نحو ألفي فتاة وامرأة من خلال تدريبات ستنفّذها 11 مؤسسة مجتمع مدني، موزعة جغرافيًا حول محطات النقل في شمال ووسط وجنوب عمّان، مؤكدة أن هؤلاء النساء يشكّلن شريحة أساسية في حملات التوعية المجتمعية، وفي دعم ثقافة الإبلاغ، والمساهمة في رصد الواقع وتحسين السياسات.
وبينت أن المراحل اللاحقة للمشروع، ستتضمن تخصيص 50 راكبا سريا لمراقبة نظام النقل الآمن وفاعليته ومدى استجابته لاحتياجات النوع الاجتماعي ولتعزيز المساءلة.
وشددت على أن مشروع "وصلنا بالسلامة" سيترافق مع حملة توعية مكثفة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، تستهدف مستخدمي وسائل النقل العام عمومًا، والنساء والفتيات على وجه الخصوص، للتعريف بحقوق الراكبات، وآليات الإبلاغ، وللتأكيد على عدم التسامح مع أي شكل من أشكال المضايقات أو التحرش، معتبرة أن تغيير الثقافة المجتمعية لا يقل أهمية عن تطوير الأدوات التقنية.
وأكدت أبو جابر أن المشروع يمثل خطوة نوعية نحو بيئة نقل أكثر أمانًا وإنصافًا، قائمة على الشفافية والمساءلة والشراكة بين المؤسسات الرسمية والمجتمع المدني، مشددة على أن نجاحه يعتمد على التزام جميع الأطراف بتحويل هذه السياسات والإجراءات إلى ممارسة يومية تحمي النساء والفتيات وتضمن حقهن في التنقل الآمن.
وكان وزير النقل نضال قطامين، أعلن خلال رعاية حفل إطلاق مشروع "وصلنا بالسلامة" الممول من صندوق الأمم المتحدة الاستئماني، عن توجه الوزارة إلى استحداث وحدة متخصصة في هيئة تنظيم النقل البري، تُعنى بتلقي شكاوى النساء المتعلقة باستخدام وسائل النقل العام في إطار دعم المشروع.



