خبرني - قررت وزارة العدل الأمريكية فتح تحقيقات هي الأوسع من نوعها في تاريخ صفقات الاندماج والاستحواذ الكبرى، والتي تهدف في جوهرها إلى إعادة هندسة صناعة السينما والتلفزيون والبث الرقمي بالكامل.
لا تتعلق التحقيقات بأرقام مالية ضخمة، بل ترتبط بشكل أساسي بالصفقة المقترحة التي أعلنتها شركة نتفليكس (Netflix) للاستحواذ على مجموعة وورنر براذرز ديسكفري (Warner Bros. Discovery) بقيمة فلكية بلغت 82.7 مليار دولار، وهي الصفقة التي دخلت في صراع مباشر مع عرض منافس قدمته باراماونت (Paramount) عبر ذراعها "سكاي دانس" (Skydance)، مما خلق حالة من الاستقطاب الحاد في السوق العالمي.
ووفقا لما كشفه تحقيق لصحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal)، فإن التحرك القانوني لوزارة العدل تجاوز الإجراءات البروتوكولية المعتادة، ليشمل صدور استدعاء مدني يطالب شركات الترفيه الكبرى بتقديم معلومات مفصلة عن أي سلوك إقصائي قد تكون نتفليكس مارسته في الآونة الأخيرة.
محاولة للفهم
الوزارة تسعى بشكل جدي لفهم ما إذا كان هذا الاندماج سيؤدي إلى تعزيز قوة سوقية احتكارية تمنح جهة واحدة القدرة على التحكم في أسعار الاشتراكات ونوعية المحتوى المتاح للملايين حول العالم.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل طلب الاستدعاء تقييما شاملا لما إذا كان أي من العرضين المنافسين قد يضر بالمنافسة الحرة، مع استفسارات دقيقة حول أثر الصفقات السابقة بين الاستوديوهات والموزعين على قدرة المبدعين من ممثلين وكتاب ومخرجين في الحصول على عقود عادلة، وهو ما يشير إلى أن الجهات التنظيمية بدأت تنظر للبعد الإنساني والإبداعي كجزء أصيل من معادلة الاحتكار الاقتصادي.
يعكس الجدل المتصاعد حول وورنر براذرز صراعا أوسع على ما يمكن وصفه بـ"المحتوى الاستراتيجي". ففي صناعة باتت تقوم أساسا على امتلاك مكتبات ضخمة وامتيازات قوية قادرة على جذب المشاهدين والاحتفاظ بهم، تبرز وورنر براذرز ديسكفري بوصفها صفقة كبرى يصعب تعويضها.
تضم الشركة واحدة من أغنى المكتبات الإبداعية في تاريخ الصناعة، تشمل أعمالا أيقونية مثل الملحمة التلفزيونية "صراع العروش"، وسلسلة "هاري بوتر" التي تركت أثرا عميقا في وجدان أجيال متعاقبة، إلى جانب أرشيف واسع من شخصيات "دي سي كوميكس" (DC Comics) الشهيرة، وعلى رأسها باتمان وسوبرمان.
ويمثل التحكم بهذه الأصول نفوذا مباشرا في تشكيل الثقافة الشعبية العالمية، ما يجعلها هدفا مغريا لنتفليكس التي تسعى إلى تعزيز انتقالها من منصة بث إلى قوة عالمية قائمة على امتلاك المحتوى، وكذلك لبقية الشركات الساعية إلى تأمين مواقعها في سوق شديد التنافس لا يترك مساحة كبيرة للكيانات الأصغر.
وعلى الصعيد الرسمي، سعت نتفليكس إلى التقليل من أهمية هذه التطورات، إذ أكدت متحدثتها الرسمية، في تصريحات لوكالة رويترز، أن الشركة تتعاون بشكل كامل مع الجهات المعنية، معتبرة ما يجري مراجعة روتينية ترافق عادة صفقات الاندماج والاستحواذ.
ورغم تأكيدات محامي الشركة، ستيفن صن شاين، بأنهم لم يتسلموا أي إشعار رسمي بوجود تحقيق منفصل في قضايا الاحتكار، إلا أن الواقع على الأرض يشير إلى عكس ذلك تماما.
تحفظات في أوروبا
لم تحجب التصريحات المتحفظة حقيقة أن هذه الصفقة تقع تحت مجهر الرقابة الشديدة ليس فقط في الولايات المتحدة، بل في أوروبا أيضا. وقد تحرك أكثر من اثني عشر سياسيا ومسؤولا سابقا لمطالبة هيئة المنافسة البريطانية بفتح مراجعة كاملة، محذرين من أن تغيير موازين القوى في سوق البث بهذه الطريقة سيؤدي حتما إلى تقلص المنافسة وربما تراجع جودة المحتوى المنتج محليا لصالح قوالب عالمية موحدة.
انتقل الزخم إلى قلب المؤسسة التشريعية الأمريكية، حيث شهد مجلس الشيوخ جلسة استماع ساخنة وضعت الصفقة في دائرة الضوء المباشر. واجه الرئيس التنفيذي المشارك لنتفليكس تيد ساراندوس أسئلة حادة وحاسمة حول التأثيرات العميقة للاستحواذ المحتمل على بنية قطاع الترفيه.
كان التدقيق السياسي في هذه الجلسة استثنائيا، حيث لم تقتصر الأسئلة على الجوانب التجارية البحتة، بل امتدت لتشمل مخاوف من تشكل "إقطاعيات رقمية" تتحكم في ذائقة الجمهور وتحتكر المواهب الإبداعية. هذا التحول في نظرة المشرعين يعكس إدراكا متزايدا بأن صفقات الاندماج في عصر البث لم تعد مجرد قضايا تجارة، بل هي قضايا تتعلق بحرية التعبير وتنوع الرؤى الثقافية في المجتمع.
وكانت هوليود قد شهدت في السنوات الأخيرة عمليات اندماج زلزالية أثرت بشكل جذري على توزيع الموارد. ومن أبرز هذه العمليات كان استحواذ ديزني على "توينتيث سنتشري فوكس" (20th Century Fox)، وهو ما منحها مكتبة هائلة جعلت من منصة "ديزني بلس" (Disney+) قوة ضاربة في وقت قياسي.
ومع تنامي منصات البث، أصبح المحتوى الأصلي الحصري هو العملة الصعبة الوحيدة القادرة على الحفاظ على معدلات الاشتراكات. ومع هذا التحول، يبرز سؤال وجودي حول ما إذا كان العالم يتجه نحو سوق تتحكم فيه بضع شركات عملاقة فقط في كل ما نراه ونسمعه، مما قد يؤدي إلى خنق الابتكار وتحويل الفن السينمائي إلى مجرد منتجات نمطية يتم إنتاجها وفقا لخوارزميات الربح والخسارة.
ذهبت تحقيقات وزارة العدل إلى أبعد من تقييم الأصول المالية، حيث ركزت بشكل لافت على كيفية تأثير عمليات الاندماج السابقة على المنافسة في جذب المواهب. وهو توجه يعكس وعيا بأن القوة الحقيقية في هوليوود تكمن في القدرة على توظيف العقول المبدعة.
وإذا ما أصبحت جهة واحدة هي الموظف الأكبر للممثلين والكتاب، فإن ذلك سيؤدي حتما إلى تراجع الأجور وفرض شروط تعاقدية قاسية، وهو ما بدأت ملامحه تظهر بالفعل في قيود العقود الحصرية. إن التحرك الحالي لوزارة العدل يأتي في وقت حرج، حيث تسعى الصناعة لإعادة تنظيم نفسها في عصر ما بعد البث، وقد تضع نتائج هذه التحقيقات أسسا قانونية جديدة توازن بين طموحات الشركات الكبرى وحقوق الجمهور والمبدعين.



