أصبح الذكاء الاصطناعي اليوم حاضرًا في كل شيء وفي العمل اليومي تقريبًا: في التعليم، في الإدارة، في المالية والارقام ، وحتى في طريقة تفكيرنا واتخاذ قراراتنا. لم يعد السؤال هو هل سنستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل أصبح السؤال الأهم: كيف نستخدمه دون أن نفقد دورنا كبشر؟
الذكاء الاصطناعي سريع، دقيق، ولا يتعب. يحلل آلاف البيانات في لحظات، ويقترح حلولًا تبدو “مثالية”. لكن كل هذا لا يعني أنه يفهم ما يفعل. ينبغي ان تذكر انه لا يشعر، ولا يقدّر الظروف، ولا يتحمل نتيجة القرار. هنا بالضبط تبدأ مسؤولية العنصر البشري. المشكلة ليست في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في طريقة اعتمادنا عليه وكأن مخرجاته حقيقة مطلقة رغم انه يقول لنا دقق خلفي قبل ان تعتمد.
في التعليم مثلًا، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة رائعة. يستطيع أن يخصص المحتوى لكل طالب، يتابع مستواه، ويكشف نقاط الضعف بسرعة. لكنه لا يعرف متى يكون الطالب محبطًا، ولا متى يحتاج إلى تشجيع، ولا كيف تُبنى الثقة بين المعلم والطالب. التعليم ليس معلومات فقط، بل علاقة إنسانية قبل كل شيء. الذكاء الاصطناعي يساعد المعلم، لكنه لا يحلّ مكانه.
وفي الإدارة، تبدو الصورة مشابهة. تستخدم المؤسسات الذكاء الاصطناعي لتحليل الأداء، توقع المخاطر، وقياس الكفاءة. كل شيء يصبح أرقامًا ورسومًا بيانية. لكن الإدارة الحقيقية لا تُدار بالأرقام وحدها. القرار الإداري يؤثر على موظفين، فرق عمل، وثقافة كاملة. أحيانًا يكون القرار “الصحيح” على الورق هو القرار الخاطئ على أرض الواقع. هنا يأتي دور المدير الواعي الذي يعرف متى يستمع للتقنية، ومتى يتجاوزها.
الذكاء الاصطناعي ممتاز في الإجابة، لكنه لا يجيد طرح السؤال. الإنسان هو من يعرف ما الذي يجب أن يُسأل أصلًا.
هل المشكلة حقيقية أم مجرد عرض؟ هل الحل مناسب الآن؟ وهل نتائجه منسجمة مع قيمنا وأهدافنا؟ بدون هذه الأسئلة، تصبح أقوى الخوارزميات مجرد أدوات بلا معنى.
الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي قد يخلق وهمًا خطيرًا: وهم الدقة والحياد. فالنماذج تتأثر بالبيانات التي دُرّبت عليها، وقد تحمل تحيزات غير ظاهرة. العقل البشري هنا ليس عبئًا، بل ضرورة للمراجعة والتوازن والتصحيح.
في النهاية، الذكاء الاصطناعي ليس بديلًا عن الإنسان، بل اختبار له. اختبار لوعيه، وحكمته، وقدرته على استخدام القوة التقنية دون أن يفقد إنسانيته. التقنية القوية تحتاج عقلًا أقوى يوجّهها، وقيمًا أوضح تضبط مسارها.
استخدام الذكاء الاصطناعي بذكاء بشري يعني أن نستفيد من سرعته دون أن نتنازل عن حكمتنا، وأن نستخدمه كأداة مساعدة لا كقائد، وأن نتذكر دائمًا أن المستقبل لا يُبنى بالتقنية وحدها، بل بالإنسان الذي يعرف متى يستخدمها… ومتى يتوقف.



