*
الجمعة: 06 فبراير 2026
  • 06 فبراير 2026
  • 10:17
عندما تتحوّل القوادة إلى أداة حكم
الكاتب: عماد داود

لم تُكتب قضايا التحطم الكبرى لتُروى من فوهة النار؛ بل من الصندوق الأسود الذي ينجو صامتًا، ينتظر لحظة يُستدعى فيها لا ليُعزّي الضحايا، بل ليكشف كيف اتخذ القرار، ولماذا صمت من كان يجب أن يتكلم!
بهذا المعنى تحديدًا، لا أفهم قضية جيفري إبستين كفضيحة أخلاقية معزولة، بل كـصندوقٍ أسود اجتماعي وسياسي هائل، تراكمت داخله أصوات النخب، وتواطؤ المؤسسات، وشبكات النفوذ، حتى غدا "القواد" نفسه تفصيلاً داخل بنية أكبر منه بكثير!
لم يكن إبستين صاحب مشروع فكري ولا عبقريًا علميًا، ولم يحتج إلى شهادة جامعية ليصعد. رأس ماله الحقيقي لم يكن فائض معرفة، بل علاقات، ولم يكن ذكاءً تقنيًا، بل قدرة على الجمع بين ما لا يجب أن يجتمع!
 في مثل هذه البنى، تتحوّل «القوادة» من جريمة فردية إلى أداة سياسية–اجتماعية، ووسيلة اختراق وابتزاز وربط مصالح بين المال والسلطة والوجاهة. فحين يصبح الشخص خزان أسرار، يغدو جسرًا ووصلة بين ما يُعلن وما يُدار خلف الكواليس، وبين الخطاب الأخلاقي وآليات تعطيله!
عندما انفجرت القصة، أُديرت كما تُدار الكوارث في زمن العلاقات العامة: حصر النار في المقصورة، لا في نظام الطيران! وتحوّل السؤال من: كيف سمح النظام؟ إلى: من انحرف؟ من نام مع من؟من.....من؟؟!!
 هكذا تُعاد صياغة الجريمة لتغدو مادة إثارة لا مادة مساءلة، وفضيحة تُستهلك بدل أن تُفتح!
 هنا يبدأ عمل الصندوق الأسود الحقيقي: لا في غرف النوم، بل في أروقة القضاء، والصفقات، والحصانات، والصمت الذي ارتدى ثوب الإجراء!
اللحظة الأخطر -برأيي- لم تكن تسريب الأسماء، بل تثبيت القاعدة: حين تتشابك السلطة بالمال، تُعاد هندسة الأخلاق لتغدو زينة لغوية، ويُختصر القانون إلى إدارة أضرار!
 وهذه لا تعتبر زلّة حضارة، بل اختبار فعلي لها! لأن المجتمعات لا تُقاس بما تقوله عن نفسها، بل بما تفعله حين تصبح القيم عبئًا على النفوذ؛ عندها لا يُلغى الخطاب الأخلاقي، بل يُستخدم لتأجيل الحقيقة وتدوير الغضب حتى يفقد الجمهور شهيته للسؤال!
في فترةٍ معيّنة من التاريخ، شهدت بعض الأجهزة الأمنية العربية إساءة استخدام للسلطة، جرى خلالها استغلال أشخاص في مجالات مختلفة—ومنها الفن والإعلام—لأغراض تتصل بالأمن والسياسة.
 اعتمدت هذه الممارسات على الضغط والابتزاز لتحقيق أهداف بعيدة عن أي معيار قانوني أو أخلاقي، مخلفة اثرا بالغا على حياة الأفراد وسمعتهم ومساراتهم. ومع التحوّلات السياسية وتقدّم التحقيقات، تبيّن أن ما بدا صعودًا لامعًا لم يكن دائمًا إلا ظلّ "كنترول" خفي!
تُستدعى هنا قضية سعاد حسني بوصفها النموذج الأشهر في الذاكرة العربية لاستغلال السلطة الأمنية للهيمنة على الوسط الفني في مصر، حين ظلّ "الكنترول" لغزًا يربط —في السرديات والتحقيقات والقراءات المتراكمة— بين صعود سياسيين نافذين، والنهاية المأساوية لـ«سندريلا» الشاشة العربية؛ في حكاية لم تشكل قصة شخصية، بقدر ما هي نمط إدارة: حين يُمسك جهاز بما هو شخصي وحميمي ليصوغ به مسارًا عامًا!
ولا يقتصر هذا النمط على سياق واحد؛ ففي ساحات أخرى، ظهرت تقارير وشهادات عن ارتماء فنانات في أحضان أنظمة قمعية، أو عن توظيف علاقات مع قيادات نافذة —منها قيادات في الفرقة الرابعة وعلى رأسها ماهر الأسد— للحصول على حماية شخصية أو تسهيلات تجارية وأدوار فنية مهيمنة. وهنا لا أتحدث عن خيارات فردية معزولة، بل عن سوق نفوذ تُدار فيه الأجساد والسمعة بوصفها عملة تفاوض.
 بعد "بونغا بونغا" برلسكوني، وخيام القذافي، تبدلت الأسماء واللهجات، وبقيت الآلية واحدة!
وسط هذا كله، يبرز الغياب الأردني عن هذه السرديات بوصفه دلالة سيادية صامتة؛ لا ادّعاء طهرانية! ولا إنكارًا لتعقيد المجتمع؛ بل نتيجة مسار لم يُحوِل النفوذ إلى سيرك، ولا السلطة إلى عرض؛ ففي عالم امتلأ باحتفالات القوة العارية وشبكات الابتزاز الناعم، يصبح الغياب شهادةً لا تحتاج إلى إعلان!
ويبقى الحدّ الفاصل الذي لا يقبل الالتباس: الاغتصاب جريمة مُجرَّمة في كل القوانين، فكيف إذا كان اغتصاب قاصر؟! هنا لا منطقة رمادية، ولا سياق مُخفف، ولا خطابٌ يُعيد تدوير الإثم!
 حين تُستَخدم الأجساد —وخاصة أجساد القاصرين— كأدوات في لعبة نفوذ، فإن الصندوق الأسود لا يكتفي بالإدانة الأخلاقية، بل يفضح انهيار منظومة!
الصندوق الأسود، حين يُفتح، لا يبحث عن مذنب واحد، بل عن نمط! وقضية إبستين ليست قصة "قواد" سقط، بل منظومة نجت أكثر مما يجب!
 والسؤال الذي يتركه هذا الصندوق مفتوحًا ليس: هل الغرب أخلاقي أم لا؟ بل: هل ما زالت الأخلاق قادرة على محاسبة نفسها حين تصبح جزءًا من اللعبة؟
من لا يجرؤ على فتح صندوقه الأسود، سيظل يفسّر كل تحطّم باعتباره حادثًا منفصلًا… إلى أن لا يبقى ما يمكن إنقاذه!
 

مواضيع قد تعجبك