خبرني - كشفت دراسة علمية حديثة عن وجود علاقة مقلقة بين التعرض لأنواع معينة من المواد الكيميائية المعروفة باسم "المواد الخالدة" وزيادة خطر الإصابة بمرض التصلب المتعدد (MS)، وهو أحد أمراض المناعة الذاتية التي تصيب الجهاز العصبي المركزي ولا يزال بلا علاج شافٍ أو سبب واحد محدد.
وأُجريت الدراسة في السويد، حيث حلّل باحثون بيانات صحية وعيّنات دم تعود إلى أكثر من 1800 شخص، نصفهم شُخّصوا حديثًا بمرض التصلب المتعدد، والنصف الآخر أفراد أصحاء للمقارنة. وركز الفريق البحثي على قياس مستويات 24 مركبًا من مركبات "بير- و بولي فلورو ألكيل" (PFAS)، إضافة إلى نواتج ثانوية لمركبات كيميائية أخرى تُعرف باسم "ثنائي الفينيل متعدد الكلور" (PCBs).
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين احتوت عينات دمهم على تراكيز مرتفعة من هذه المواد الكيميائية كانوا أكثر عرضة للإصابة بالتصلب المتعدد مقارنة بغيرهم. ولاحظ الباحثون أن الخطر لم يكن مرتبطًا بمادة واحدة فقط، بل ازداد بشكل أوضح عند التعرض لمزيج من عدة مركبات كيميائية في الوقت نفسه، وهو ما وصفه العلماء ب"التآزر السام".
وقالت الباحثة الأولى في الدراسة، آينا فايفاده من جامعة أوبسالا، إن هذه النتائج تؤكد ضرورة دراسة تأثير التعرض المشترك للمواد الكيميائية، لا كل مادة على حدة، نظرًا لأن البشر غالبًا ما يتعرضون لعدة مركبات في حياتهم اليومية.
وتُستخدم المواد الخالدة، منذ منتصف القرن الماضي، في صناعات متعددة تشمل أواني الطهي غير اللاصقة، والأقمشة المقاومة للبقع، ورغوات مكافحة الحرائق، ومستحضرات التجميل. وبسبب مقاومتها الشديدة للتحلل، أصبحت هذه المواد موجودة في الماء والغذاء والهواء، بل وحتى في دماغ الإنسان ودمه.
ورغم إنتاج أكثر من 12 ألف نوع من مركبات PFAS، فإن عددًا محدودًا منها فقط، مثل PFOS وPFOA، ثَبُت ارتباطه بأمراض خطيرة كالسرطان والتشوهات الخَلقية، ما دفع العديد من الدول إلى حظرها تدريجيًا. إلا أن استمرارها في البيئة يجعل تأثيرها قائمًا حتى اليوم.
وبيّنت الدراسة أن بعض هذه المواد، مثل PFOS ومركبات PCB المُهدرجة، قادرة على عبور الحاجز الدموي الدماغي، ما قد يسمح لها بالتأثير المباشر في خلايا الجهاز العصبي والمناعة. ويعتقد الباحثون أن هذه المركبات قد تُحدث إجهادًا تأكسديًا يضعف آليات الدفاع الطبيعية في الدماغ، ما قد يسهم في تطور أعراض التصلب المتعدد، مثل ضعف العضلات والخدر واضطرابات الرؤية.
تفاعل مع العوامل الوراثية
واللافت في نتائج الدراسة أن التعرض المرتفع لهذه المواد ضاعف خطر الإصابة بالتصلب المتعدد حتى لدى أشخاص يحملون متغيرات جينية يُفترض أنها تقلل خطر المرض. وفي بعض الحالات، ارتفع الخطر إلى أكثر من أربعة أضعاف، ما يشير إلى تفاعل معقد بين العوامل الوراثية والبيئية.
وأوضح الباحث كيم كولتّيما، أحد القائمين على الدراسة، أن فهم هذا التداخل قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم نشأة المرض، وربما أمراض مناعية أخرى.
وتأتي هذه النتائج في وقت تشير فيه الإحصاءات إلى ارتفاع معدل انتشار التصلب المتعدد عالميًا بنحو 26% خلال العقود الثلاثة الماضية، مع تضاعف الحالات في بعض الدول منذ عام 1990، ما يعزز المخاوف من دور العوامل البيئية الحديثة في هذا الارتفاع.
ونُشرت الدراسة في دورية Environment International، وسط دعوات لمزيد من الأبحاث حول أثر المواد الكيميائية طويلة الأمد على صحة الجهاز العصبي، وضرورة تشديد الرقابة على استخدامها وانتشارها.

