خبرني - كتب المحامي عبد الكريم الكيلاني:
بين القاعدة الموضوعية والقاعدة الإجرائية**
يثور في الآونة الأخيرة جدل قانوني حول تعديل قانون الضمان الاجتماعي، ويتمحور هذا الجدل حول رأي مفاده أن الحقوق التي لم تتم تسويتها بعد تظل قابلة للتعديل، حتى لو كانت قد نشأت في ظل قانون سابق. ويُستند في ذلك إلى أن عدم التسوية يعني عدم اكتمال الحق، ومن ثم جواز إخضاعه للقانون المعدِّل.
غير أن هذا الرأي، ينطوي على مغالطة تشريعية وقانونية جوهرية، قوامها الخلط بين القواعد الموضوعية التي تنشئ الحقوق وتحدد نطاقها، وبين القواعد الإجرائية التي تنظّم كيفية إعمال هذه الحقوق دون أن تمس جوهرها.
أولًا: ماهية الحق التقاعدي وطبيعته القانونية
الحق التقاعدي لا ينشأ عند لحظة تسويته أو تخصيصه، بل ينشأ تدريجيًا منذ خضوع المشترك لأحكام قانون معيّن، وترتيب آثار قانونية ومالية عليه، من أهمها:
* الاشتراك الإجباري في النظام،
* الاقتطاع من الأجر وفق سقف محدد،
* التزام المشترك وصاحب العمل بأحكام ذلك القانون.
هذه العناصر مجتمعة تُنشئ مركزًا قانونيًا موضوعيًا يخضع للقانون الساري وقت نشوئه، لا وقت ترتيب آثاره النهائية.
ثانيًا: التسوية التقاعدية – إجراء كاشف لا منشئ
التسوية التقاعدية، من الناحية القانونية، هي:
* إجراء إداري،
* يُقصد به حساب مقدار الحق،
* وتحديد كيفية صرفه.
وبالتالي فهي:
كاشفة للحق لا منشئة له.
فالحق التقاعدي:
* لا يولد بقرار إداري،
* ولا يُنشأ بالتسوية،
* وإنما تُظهر التسوية مقدار ما نشأ سلفًا في ظل القانون واجب التطبيق.
والقول بعكس ذلك يؤدي إلى نتيجة غير مقبولة مفادها أن الحقوق لا تستقر إلا بإرادة الإدارة، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ المشروعية وسيادة القانون.
ثالثًا: الخلط بين القواعد الموضوعية والقواعد الإجرائية
القواعد الموضوعية هي التي:
* تنشئ الحق،
* وتحدد نطاقه وسقفه وشروطه الجوهرية.
أما القواعد الإجرائية فهي التي:
* تنظّم كيفية المطالبة بالحق،
* وآليات حسابه وتنفيذه.
والقاعدة المستقرة فقهيًا وقضائيًا أن:
* القواعد الموضوعية تخضع لمبدأ القانون الساري وقت نشوء المركز القانوني،
* بينما تطبّق القواعد الإجرائية بأثر فوري على الإجراءات غير المكتملة.
ومن ثم، فإن اتخاذ “عدم التسوية” معيارًا لتغيير القانون واجب التطبيق، هو إسقاط لمعيار إجرائي على مسألة موضوعية، وهو خلط لا يستقيم قانونًا.
رابعًا: استقرار الأوضاع القانونية لا الرجعية
من المهم التأكيد على أن المسألة هنا:
* لا تتعلق برجعية القوانين،
* بل تتعلق بمبدأ استقرار الأوضاع القانونية القائمة.
فالمشرّع، وإن كان يملك سلطة التنظيم للمستقبل، إلا أن هذه السلطة:
* مقيّدة بعدم المساس بالمراكز القانونية التي نشأت صحيحة في ظل قانون سابق،
* ولا يملك إهدار آثارها أو تعديل جوهرها، حتى بنص صريح، دون أن يعرّض هذا النص لشبهة عدم الدستورية.
خامسًا: التطبيق على الجدل الدائر حول تعديل قانون الضمان
بناءً على ما سبق، فإن القول بجواز إخضاع المشتركين السابقين لتعديل تشريعي جديد بحجة أن حقوقهم “لم تُسوَّ بعد” هو قول مردود، لأن:
1. الحق التقاعدي نشأ في ظل قانون سابق.
2. السقف الخاضع للاقتطاع قاعدة موضوعية.
3. التسوية إجراء لاحق كاشف لا منشئ.
4. عدم اكتمال الإجراء لا ينال من استقرار المركز القانوني.
وبالتالي، فإن أي تعديل تشريعي:
* يجب أن يقتصر أثره على المشتركين الجدد،
* أو على الوقائع اللاحقة لنفاذه،
* دون المساس بالمراكز القانونية القائمة.
إن حماية الحقوق التقاعدية لا تقوم على منطق التفضّل التشريعي، بل على أسس قانونية ودستورية راسخة، في مقدمتها التمييز بين القواعد الموضوعية والإجرائية، ومبدأ استقرار الأوضاع القانونية.
وأي إخلال بهذا التمييز، تحت ذريعة “عدم التسوية”، لا يُعد اجتهادًا مشروعًا، بل مغالطة قانونية تفتح الباب لزعزعة الثقة بالنظام القانوني برمّته.
وبناءً على كل ما تقدم، فإن محاولة إخضاع الحقوق التقاعدية لتعديلات لاحقة بحجة "عدم التسوية" تصطدم بصخرة المبادئ القضائية الراسخة، وعلى رأسها المبدأ القائل بأن: "العلاقة القانونية إذا نشأت وتحددت عناصرها في ظل قانون معين، تظل محكومة بهذا القانون في كل ما يترتب عليها من آثار ونزاعات".
إن القضاء استقر على أن العبرة هي بالوقت الذي نشأ فيه الحق، لا بالوقت الذي أقرته فيه الإدارة؛ فالتأخير الإداري في إجراء "التسوية" هو واقعة مادية لا تملك القوة القانونية لإلغاء مركز قانوني موضوعي استقر للمشترك عبر سنوات من الاقتطاع والالتزام.
لذا، فإن أي تجاوز لهذا المبدأ لا يُعد مجرد مخالفة تشريعية، بل هو إهدار لمبدأ الأمن القانوني، واعتداء على حقوق مكتسبة تحصنت بمرور الزمن وبالوفاء بالالتزامات المقابلة لها. إن حماية المشترك ليست "منّة"، بل هي استحقاق يفرضه الدستور ويحميه القضاء ضد أي تغول إجرائي يمس جوهر الحق الموضوعي

