*
الاحد: 01 فبراير 2026
  • 01 فبراير 2026
  • 12:41
الأردن بين هدوء الاستقرار وقلق الانتظار 15 هل نملك ترف إدارة الوقت
الكاتب: عماد داود

يُخيم على الجغرافيا الأردنية اليوم سكون غريب يتجاوز في دلالته منطق الاستقرار المعتاد، ليغدو أقرب إلى حالة من السكون المطبق الذي يثير التساؤل حول جوهر المرحلة؛ فبينما يدخل "سعد الذابح" بلمسات دافئة تخالف طبيعة شباط وتكسر نواميس الشتاء، نجد بروداً مماثلاً في الحراك الرسمي والبرلماني، وكأن الجميع قد اتفق ضمناً على الصمت بانتظار عبور عاصفة إقليمية لا نملك السيطرة على خيوطها.
 هذا المشهد، الذي يطال مفاصل الفعل من ركود الغرف الحكومية إلى برود السجال تحت قبة البرلمان، ليس غياباً للأزمات بقدر ما هو إدارة بارعة للوقت على حساب إدارة الحلول، وهو نهج يشي بأننا أمام سياسة الانحناء للعاصفة التي تراهن على مرور الأيام لتجاوز الضغوط، في لحظة تتطلب شجاعة الاشتباك لا فضيلة الانتظار السلبي.
المنطقة التي تترقب بوجوم مآلات الاشتباك الوشيك بين القوى الكبرى وحلفائها، فرضت على صانع القرار في عمان صمتا قد يُفسر محلياً بأنه تراخ، بينما هو في العمق محاولة للوقوف على الحياد فوق أرض تهتز، غير أن هذا الصمت حين يطول، يتحول من درع واق إلى ما يمكن وصفه كحالة من الانكفاء الشعبي والعزوف عن الاهتمام بالشأن العام.
المواطن الأردني أيضا، وتحت وطأة سنوات طويلة من الضغط المعيشي وارتفاع تكاليف الحياة وتآكل القدرة الشرائية، تحول من كائن سياسي مشتبك إلى ذات منكفئة على تدبير شؤونها الخاصة، وكأن هناك عقداً غير مكتوب بين السلطة والمجتمع يقتضي بأن الصمت هو ثمن البقاء، أو أن الأمل في التغيير بات مؤجلاً حتى إشعار آخر! فبينما تتباهى المؤسسات المالية الدولية بأرقام نمو صمّاء، نجد أن هذه المؤشرات تعجز عن العبور إلى الميدان لتتحول إلى واقع ملموس يخفف من وطأة الضغوط المعيشية في القرى والمحافظات، حيث لم تعد قرارات تخفيض أسعار المشتقات النفطية قادرة على ردم الفجوة العميقة بين "كلف البقاء" وبين تآكل القدرات الشرائية التي استنزفت رصيد الاستقرار النفسي لدى الأردنيين.
 نحن أمام اقتصاد يستهلك طاقته في الدوران حول نفسه دون أن ينتج حركة حقيقية تُخرج المواطن من دائرة القلق على لقمة العيش، وهو ما خلق حالة من الترقب التي لا يمكن اعتبارها رضا تاما، بل هي "تعب اجتماعي" فضل الانكفاء على الاشتباك مع حكومة تبدو وكأنها تمر بمرحلة صعبة من عدم القدرة على المبادرة أو ربما تخوف من القادم المجهول في الإقليم.
أما على مستوى مجلس النواب، وما يمثله من قوة مفترضة للناس والدولة، فإن الهدوء تحت القبة لا يمكن فصله عما يجري من تطورات متسارعة، حيث نحتاج اليوم إلى مجلس أقوى وقادر على الاشتباك الحقيقي مع قضايا الدولة، بدلاً من هذا النهج الذي يميل إلى التماهي مع السكون الرسمي.
الهدوء والوجوم الرسمي الذي لا نفهم أسبابه يقينا يظل أخطر من الضجيج المعلن، لأن الضجيج فعل يمكن التعامل معه، أما هذا السكون فهو ترقب مثقل بالأسئلة المؤجلة التي تخص مستقبل المدينة الجديدة، وتحديث المنظومة السياسية، وتمكين الشباب الذين باتوا ينتظرون أفعالاً لا وعوداً وغيرها.
 الربط بين الرؤية الملكية التي تدعو دائماً للتحديث والنهضة، وبين الماكينة التنفيذية التي تبدو في حالة "ترقب قسري"، يفرض علينا المصارحة الوطنية: هل نحن في حالة هدوء استقرار وثقة، أم أننا في حالة احتواء وتأجيل للأزمات؟ الإجابة على هذا التساؤل هي التي ستحدد قدرتنا على العبور بسلام، فالأردن لا يحتاج اليوم إلى من يدير وقته ببراعة، بل إلى من يمنحه حرارة الأمل وجرأة المبادرة ليخرج من دائرة الدوران الرتيب نحو آفاق النمو الحقيقي الذي يحفظ كرامة الإنسان وسيادة الدولة.

مواضيع قد تعجبك