*
الاحد: 01 فبراير 2026
  • 01 فبراير 2026
  • 01:29
نجحت العملية ومات المريض
الكاتب: الدكتور محمد عماد العمري

حين يُقال في الطب: «نجحت العملية» ثم يُضاف بعدها: «ومات المريض»، فنحن أمام مفارقة موجعة تختصر خطر الاكتفاء بالشكل دون الجوهر. هذه العبارة، رغم قسوتها، تصلح اليوم لتكون مجازًا تربويًا يدعونا للتأمل الهادئ في تعليمنا، لا للاتهام، بل للبحث عن معنى النجاح الحقيقي.
نسمع كثيرًا عن تطوير المناهج، وتحديث الوسائل، وتوسيع التعليم الرقمي. خطوات مهمة ومقدَّرة. لكن السؤال الذي لا يجوز أن يغيب: ماذا يحدث للطالب داخل الصف؟ هل يتعلّم ليحيا المعرفة، أم ليعبر الامتحان فقط؟
النجاح التربوي لا يُقاس بعدد الصفحات المنجزة ولا بنسبة العلامات وحدها. يُقاس بما يبقى في عقل الطالب بعد الامتحان، وبما يظهر في سلوكه حين يخرج إلى الحياة. الطالب ليس رقمًا. ولا خانة في كشف العلامات. بل إنسان يتكوّن يومًا بعد يوم.
من خبرتنا في الميدان التربوي، نرى أحيانًا طالبًا متفوقًا في الشهادة، لكنه متردد في الحوار، ضعيف في المبادرة، خائف من الخطأ. وهنا يبرز سؤال صامت: أين ذهب أثر المدرسة في بناء الشخصية؟
التربية عملية تشاركية تتكامل فيها المناهج، والبيئة المدرسية، والأسرة، وثقافة المجتمع. وكل تطوير فيها يحتاج إلى توازن: توازن بين المعرفة والمهارة، بين التنظيم والروح، بين المحتوى والإنسان.
العلم بلا معنى يتحول إلى حفظ، والنجاح بلا وعي يتحول إلى رقم، والشهادة بلا شخصية تصبح عبئًا بدل أن تكون أداة تمكين.
الطالب اليوم يعيش عالمًا سريعًا، مفتوحًا، متقلبًا. ودور المدرسة أن تمنحه البوصلة قبل أن تمنحه المعلومة. أن تعلّمه كيف يفكر، قبل أن تخبره ماذا يحفظ.
وحين نحتفل بإنجازاتنا التربوية، من الجميل أن نسأل أنفسنا بهدوء:
هل صار الطالب أكثر قدرة على السؤال؟
أكثر ثقة بذاته؟
أكثر استعدادًا للحياة؟
إن كان الجواب نعم، فقد نجحت العملية فعلًا.
أما إن بقي النجاح محصورًا في الورق، فهنا لا نبحث عن مذنب، بل عن معنى أعمق للتربية.
في النهاية، التعليم ليس مشروع نتائج، بل مشروع إنسان. وحين ننقذ الإنسان، نكون قد أنقذنا المريض… لا اكتفينا بالتصفيق للعملية.

مواضيع قد تعجبك