قبل عقد واحد فقط، كان المشجع يضبط ساعته على موعد المباراة ويبحث عن أقرب تلفزيون متاح. اليوم، يكفي هاتف متصل بالإنترنت ليحمل معه الملعب أينما ذهب. هذا التحوّل ليس تفصيلًا تقنيًا؛ إنه يغيّر الطريقة التي نتابع بها المباريات، ونتحدّث عنها، بل وأحيانًا كيف نراهن على نتائجها.
التقديرات الدولية تشير إلى أن نحو 5.5 مليارات إنسان كانوا على الإنترنت في 2024، أي ما يقارب ثلثي سكان الكوكب، وهو ما يفسّر لماذا أصبحت المنصات الرقمية هي المكان الطبيعي لاستهلاك المحتوى الرياضي، من البث المباشر إلى المقاطع القصيرة والتعليقات الفورية.
من التلفزيون إلى التطبيق: شاشة صغيرة، عالم أكبر
مع صعود خدمات البث الرياضي عبر الإنترنت، تغيّر شكل «ليلة المباراة». منصات مثل DAZN، الموصوفة كثيرًا بأنها "نتفليكس الرياضة"، تقدّم نموذجًا قائمًا على الاشتراك يتيح للمشجع مشاهدة بطولات الكرة الأوروبية أو الملاكمة أو الفورمولا 1 على أي جهاز متصل، من التلفزيون الذكي إلى الهاتف.
في المنطقة العربية، توسّعت منصات مثل beIN SPORTS CONNECT لتقدّم البث عبر التطبيقات إلى جانب القنوات التقليدية، ما جعل المشجع قادرًا على متابعة الدوري الإنجليزي الممتاز أو دوري أبطال أوروبا في المقهى أو المواصلات، لا في غرفة الجلوس فقط. هذا الانتقال من جدول بث ثابت إلى مشاهدة عند الطلب غيّر علاقة الجمهور بالوقت؛ لم تعد المباراة لحظة واحدة بل سلسلة من المقاطع والإعادات والتحليلات التي يمكن العودة إليها في أي وقت.
المباراة في الجيب: ماذا فعلت الهواتف الذكية بالمشجع؟
الهواتف الذكية لم تجعل المباريات أكثر سهولة في الوصول فقط، بل جعلت تجربة المشاهدة نفسها أكثر تفاعلية. أثناء كأس العالم 2022 في قطر، أظهرت استطلاعات رأي دولية أن نسبة كبيرة من الجمهور، خصوصًا من الفئات الشابة، خططت لمشاهدة المباريات عبر البث الإلكتروني، إما على الهواتف أو الحواسيب اللوحية، إلى جانب التلفزيون التقليدي.
هذا يعني أن المشجع بات يعيش المباراة على شاشتين وثلاث في آن واحد: شاشة تنقل اللعب، وأخرى تتابع ردود الفعل على تويتر وإنستغرام وتيك توك، وثالثة ربما تعرض تطبيق إحصاءات يحدّث الأرقام لحظة بلحظة. وبمرور الوقت، يصبح من الصعب أن نتخيّل مباراة كبرى بلا هذا “الضجيج الرقمي” الموازي.
الأرقام لا تكذب: منصات الإحصاءات تعيد تعريف التحليل
إلى جانب البث، ازدهرت مواقع وتطبيقات الإحصاءات الرياضية. منصات مثل Sofascore وWhoScored تقدّم اليوم خرائط حرارية للمساحات التي يتحرك فيها اللاعبون، وإحصاءات عن التسديدات المتوقعة، ولمسات الكرة في منطقة الجزاء، ومعدلات الضغط والافتكاك.
هذه البيانات لم تعد حكرًا على أجهزة المحللين داخل الأندية؛ المشجع العادي يمكنه فتح تطبيق واحد بعد المباراة ليقرأ تقييمًا رقميًا لأداء فريقه المفضل، بل ولمقارنة ما رآه بعينه بما تقوله الأرقام. النتيجة أن النقاشات في المقاهي وعلى الشبكات أصبحت مشبعة بمصطلحات مثل "xG" و"الاستحواذ تحت الضغط"، وهو ما يخلق جيلًا من المتابعين يرى كرة القدم كعلم صغير، لا مجرد حظ أو إلهام.
الرهان في عصر التطبيق: حماس إضافي أم مخاطرة جديدة؟
بالتوازي مع التحولات السابقة، يعيش سوق المراهنة الرياضية عبر الإنترنت نموًا متسارعًا على مستوى العالم، تغذّيه ثلاثة عوامل أساسية: انتشار الهواتف الذكية، وتطوّر البنية الرقمية، وتوسع تقنين المراهنات في أسواق كبيرة. حجم سوق المراهنة الرياضية عبر الإنترنت يُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، مع توقعات بنمو مستمر خلال العقد المقبل.
في هذا السياق، لم يعد الرهان حكرًا على مكاتب تقليدية؛ صار جزءًا من تجربة بعض المشجعين على الشاشة نفسها التي يشاهدون منها المباراة. يستخدم البعض تطبيقات مرخَّصة تتيح الرهان قبل المباراة وأثناءها، مع أسواق دقيقة تشمل عدد الأهداف، واللاعبين المسجلين، وحتى تفاصيل مثل عدد الركلات الركنية.
تسعى العديد من المنصات القانونية إلى تقديم هذه الخدمة ضمن قطاع الترفيه الخاضع للتنظيم، من خلال توفير أدوات للتحكم في الإنفاق وتذكير المستخدمين بالسلوك المسؤول. يختار بعض المستخدمين تطبيقات تتيح لهم متابعة احتمالات المراهنات مباشرةً على هواتفهم، وفي هذه الحالة، غالباً ما يكون تطبيق melbet تحميل الذي يوفر روابط تحميل كجزء من منظومة الترفيه الرياضي الرقمي الأوسع، هو خيارهم المفضل.
مجتمعات رقمية تصنع ذاكرة جديدة للمباراة
إلى جانب البث والإحصاءات والرهان، تُعيد المنصات الاجتماعية تشكيل شكل "جماهيرية" الرياضة. على تويتر، تتحول المباراة إلى سيل من التعليقات والوسوم، وعلى تيك توك وإنستغرام تتحول أفضل اللقطات إلى مقاطع قصيرة تنتشر أبعد من حدود جمهور الفريقين، بينما تستخدم أندية كبرى مثل ريال مدريد، ليفربول، والهلال حساباتها الرسمية لصناعة محتوى يومي يحافظ على تفاعل الجماهير بين المباريات.
هنا، لم يعد المشجع مجرد متلقٍّ؛ إنه صانع محتوى أيضًا. مقاطع التحليل من الجماهير، البودكاستات المستقلة، وحتى سلاسل الفيديو التي تحاكي أسلوب برامج كبرى، كلها تجعل المراجعة الرياضية نشاطًا تشاركيًا، تتقاطع فيه الحدود بين الصحفي والهاوِي.
إلى أين يتجه هذا التحوّل؟ أسئلة للمستقبل القريب
كل هذه التغيّرات تطرح أسئلة جديدة على الأندية والاتحادات والهيئات المنظمة: كيف توازن بين حقوق البث التقليدية والمنصات الرقمية الجديدة؟ كيف تضع قواعد واضحة للإعلانات المرتبطة بالمراهنة، خاصة في البطولات التي يتابعها الأطفال والمراهقون؟ وكيف يمكن استخدام بيانات الإحصاءات والتفاعل الرقمي لتحسين تجربة المشجع لا لاستنزافه؟
بالنسبة للمشجع، تبدو المنصات الرقمية فرصة وعبئًا في آن واحد. فهي تتيح له الوصول إلى المباريات والتحليلات والبيانات كما لم يحدث من قبل، لكنها في الوقت نفسه تغريه بالبقاء متصلاً طوال الوقت، وبالانتقال من مشاهدة المباراة إلى مطاردة كل ما يحيط بها من محتوى ورهانات ونقاشات لا تنتهي. بين هذه وتلك، سيبقى التحدي هو أن نحافظ على سر كرة القدم وبقية الرياضات: لحظة بسيطة من الفرح أو الخيبة، لا تحتاج إلا إلى ملعب، وكرة، وبعض الصمت حولها… ولو لثوانٍ قليلة فقط.



