*
الاربعاء: 28 يناير 2026
  • 27 يناير 2026
  • 21:57
على مكتب رئيس الوزراء مشروع أول حقيبة وزارية للسعادة والفرفشة الوطنية
الكاتب: عماد داود

دولة رئيس الوزراء،

لا أكتب إليكم من موقع الاعتراض، ولا من منصة الوعظ، ولا حتى من شرفة السخرية العابرة.

بل أكتب بصفتي شاهداً على لحظة تاريخية فارقة؛ يصبح فيها العالم كله صائداً للسعادة، ويُصنَّف الأردن في ذيل القائمة، ثم يُطالَب - كمتهمٍ في محكمة المشاعر العالمية - بتقديم "ابتسامة تفسيرية"!

دولة الرئيس،

حين يضعك مؤشر السعادة العالمي في مرتبة متأخرة، لا لأنك فشلت في الحياة، بل لأنك لم تُقنع الاستبيان، فالمشكلة لا تكون في الناس وحدهم، بل في الفلسفة التي قررت أن الفرح قابل للقياس، والإنسان قابل للترتيب!

نحن ـ كما يعرف الجميع ويجهله المؤشر ـ بلدٌ عاش أعوامًا ثقيلة:

دخلٌ يتآكل ببطء مهذب،

بطالة تتقن الصبر،

تعليم يشيب قبل أوانه،

صحة تحاول،

وحرب قريبة لا تُدرج كبند نفسي في الجداول!

ومع ذلك، يُقال لنا بهدوء علمي:

أنتم غير سعداء بما يكفي!

هنا، لا بد من الانتقال من الدفاع إلى المبادرة!

من الإنكار إلى الابتكار!

من سؤال "لماذا نحن متأخرون؟"

إلى سؤال أكثر نضجًا:

كيف نحسن إدارة هذا التأخر؟!

ومن هنا، يولد الاقتراح المنطقي الوحيد في عالم فقد منطقه:

استحداث وزارة للسعادة والرفاه والفرفشة الوطنية!

وإن بدا الأمر ثقيلًا على الموازنة،

أو مربكًا دستوريًا،

أو غير قابل للتنفيذ الواقعي  

فالحل جاهز، مجرَّب، ومحبوب:

هيئة مستقلة للسعادة!

لا تتبع وزارة، ولا تُلغى، ولا تُحاسَب،

لكنها تشعر… وتشعر جدًا!

هذه الجهة لن تكون معنية بإسعاد المواطنين - لا قدر الله -

بل بتنظيم علاقتهم مع الشعور!

بترشيد الفرح!

بتدوير القلق!

وبتحويل الإرهاق اليومي إلى "مؤشر يحتاج متابعة"!

مهمتها الأولى:

إعادة تفسير ترتيب الأردن المتأخر لا بوصفه فشلًا، بل خصوصية ثقافية راقية!

فنحن شعب يقدّم الكرامة على البهجة،

والأمن الأمان على النشوة،

والوقوف مع الآخرين على الضحك المنفرد!

وهذه ـ للأسف ـ لا تظهر جيدًا في الرسوم البيانية!

مهمتها الثانية:

ابتكار مؤشر وطني بديل،

لا يقيس عدد الضحكات،

بل قدرة الناس على الاحتمال دون انهيار،

وعلى التضامن دون كاميرات،

وعلى الفرح الذي يولد حين تساعد غيرك على استعادة "حيازة الدنيا"!

أما السعادة بالمعنى الإداري

فهذه تحتاج رجلًا بمواصفات خاصة!

لا نريده اسمًا يدل على نقيضها!

لا نريد وزيرًا اسمه يوحي بالزعل أو الكدر أو سوء الطالع!

نريده شخصية مشهورة بعدائها التاريخي للإجازات والعطل،

برفضها المزمن للراحة،

بإيمانها أن السعادة أثر جانبي للعمل المتواصل!

ونريد أن تكون "غزالته"! رائقة دائما!

خفيفة، نشيطة، لا تعرف الكلل،

تجري في الربيع الإداري،

وتقنع الناس أن الدنيا قمرة

شرط أن لا يتوقفوا!

بهذا فقط نضمن سعادة منضبطة،

لا تفيض فتُربك النظام،

ولا تغيب فتُحرج التقارير الدولية!

وسيُقال طبعًا:

كيف نتحدث عن السعادة والفقر موجود؟

والبطالة؟

والضغوط؟

والحروب؟

والجواب جاهز، مؤسسي، وأنيق:

لهذا السبب بالذات نحتاجها!

فالخبز مسألة اقتصادية،

والعدالة مشروع طويل،

أما الفرفشة فهي ملف معنوي قابل للإطلاق بقرار!

المدينة الفاضلة التي حلم بها الفلاسفة لم تُبنَ،

لكن المدينة التي تشعر أنها بخير

قابلة للإعلان في نشرة الثامنة!

وحينها،

ستتحسن المؤشرات،

وتتبدل الصورة،

ويُقال في التقارير العالمية:

"رغم التحديات، يحافظ البلد على توازن نفسي مقبول"!

وحينها أيضًا،

لن يكون مهمًا إن كانت الحياة صعبة،

المهم أنها مقاسة، ومفسَّرة، ومُدارة!

هذا النص ليس دعوة للضحك!

بل محاولة لتنظيمه!

وليس سخرية من السعادة،

بل من تحويلها إلى حقيبة، أو هيئة، أو رقم!

 

أما السعادة الحقيقية؟

فستبقى ـ كما كانت دائمًا ـ خارج الجداول،

تزور الناس حين يستعيد إنسان آخر حقه في الوقوف،

لا حين نصعد خانة واحدة في التصنيف!

وتفضلوا بقبول اصدق اقتراح لا ينتظر الموافقة،

والأقل قابلية للتكذيب،

والذي يصلح تمامًا

لأن يُؤخذ بجدية!

 

 

مواضيع قد تعجبك