خبرني - في الوقت الذي حل فيه، اليوم العالمي للتعليم هذا العام، في الرابع والعشرين من كانون الثاني/يناير الجاري، تتزاحم الأسئلة حول أوضاع التعليم في المنطقة العربية، يتصدرها السؤال الكبير والمهم: هل مايزال التعليم حقا مكتسبا للمواطن العربي؟، وتبدو الإجابة مؤسفة في التقارير المتتالية، من العديد من الدول العربية، سواء تلك التي اكتوت بنيران الحروب، أم التي ماتزال تتمتع بدرجة نسبية من الاستقرار.
ففي المناطق التي أنهكتها الحروب، مثل غزة واليمن والسودان، وحتى سوريا - التي تعيش مرحلة التعافي حاليا - تتحدث التقارير عن كيف حرمت الحروب، وما أوجدته من عدم الاستقرار، ملايين الأطفال من مقاعد التعليم، أما في تلك التي تتمتع باستقرار نسبي، فإن التقارير تتحدث عن كيف يعاني التلاميذ وأولياء أمورهم، في المسيرة التعليمية، بين انهيار شبه كامل للتعليم الحكومي، في ظل أبنية متهالكة، وأوضاع متردية للمعلم، في وقت تحول فيه التعليم الخاص إلى مجرد تجارة، تهدف إلى جمع الأموال، دون أدنى اهتمام بتربية النشء.
ويؤكد خبراء التربية، في المنظمة العربية المتحدة للبحث العلمي، على أن التعليم يمثل طوق نجاة للعالم العربي، كي يلحق بركب الدول المتقدمة، ووفقا لنفس الخبراء، فإن التحديات التي تواجه التعليم في العالم العربي تبدو معقدة، وتشمل الحروب والاضطرابات السياسية، التي كان لها الدور الرئيسي، في إلحاق الضرر بالعملية التعليمية في دول بعينها، بينما تبدو في الدول العربية، التي تحظى باستقرار نسبي مرتبطة بضعف البنية التحتية الرقمية والتقليدية، ، وتقادم المناهج، وعدم مواكبتها لسوق العمل، وتدني مكانة المعلم، وضعف التمويل ، والفجوة الرقمية.
نموذج غزة
يعد قطاع غزة، النموذج الأبرز فيما يتعلق بتأثير الحرب، على تخريب العملية التعليمية، ويصادف كانون الثاني /يناير الجاري، دخول الحرمان من التعليم، عامه الثالث على التوالي بالنسبة إلى الأطفال والطلاب ، فمنذ تشرين الأول/ أكتوبر 2023، انهارت المنظومة التعليمية في غزة. وتُرك أكثر من 650 ألف طالب دون مدارس، في ظل تدمير ما يقارب نسبة الـ 95 % من المرافق التعليمية بالكامل، أو تضررها بشدة.
وتقول منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) ، إن ما لا يقل عن 87 في المئة من المدارس في غزة، تحتاج إلى إعادة إعمار على نطاق واسع، قبل أن تتمكن من العمل مجدداً، وضمن تقريره عن آخر مستجدات الوضع الإنساني، يقول مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية OCHA، إن الأزمة المستمرة في غزة ستؤدي إلى إرجاع تعليم الأطفال إلى الوراء "بما يصل إلى خمسة أعوام، وتهدد بخلق جيل ضائع من الشباب يعاني حرماناً دائماً".
السودان
تركت الحرب التي تدور رحاها في السودان، والتي دخلت عامها الثالث، أكبر أثر تدميري، على قطاع التعليم في البلاد، وأدت إلى حرمان ملايين الأطفال السودانيين من حقهم في التعليم ، وفي جانب من تأثيراتها، أدت الحرب إلى تدمير هائل للبنية التحتية، بما في ذلك المدارس والمرافق التعليمية، إلى جانب موجات نزوح غير مسبوقة، أثّرت بشكل مباشر على قدرة ملايين الأطفال، على الوصول إلى التعليم، خاصة فى ظل انهيار الأوضاع الأمنية، فى عدد من الولايات التى كانت مسرحا للعمليات العسكرية.
وفي آخر تقارير المنظمات الدولية، حذرت منظمة "أنقذوا الأطفال" من مستقبل مظلم، يواجه أطفال السودان، في ظل فقدان نحو نصفهم حق الالتحاق بالمدرسة، وأكدت المنظمة في تقرير لها، الخميس 22 كانون الثاني/يناير، أن نحو نصف الأطفال في سن الدراسة في السودان، أي أكثر من 8 ملايين طفل، لم يعودوا يرتادون المدارس، بسبب الحرب المستمرة في البلاد منذ منتصف أبريل 2023، في واحدة من أسوأ أزمات التعليم في العالم، مشيرة إلى فقدانهم أكثر من 500 يوم دراسي.
اليمن
في اليمن يعيش قطاع التعليم، وفقا لعديد من تقارير المنظمات الدولية،واحدة من أسوأ المراحل في تاريخه، بين مدارس مدمرة، وملايين الطلاب، الذين باتوا غير قادرين على الالتحاق بالفصول الدراسية، نتيجة أوضاع معقدة أنتجتها الحرب، التي بدأت قبل نحو 11 عاما.
ويعد انهيار قطاع التعليم في اليمن، واحدا من الانهيارات المتعددة في قطاعات كثيرة بفعل الحرب، فقد تدمرت معظم البنية التحتية الخاصة بقطاع التعليم في حين توقف صرف رواتب المعلمين منذ العام 2016 .
وقبل نحو أسبوع أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف"، أن التعليم في اليمن يواجه أزمة واسعة، وأضافت المنظمة في بيان لها أن "3.7 ملايين طفل يمني (من أصل نحو 11 مليونا) باتوا خارج المدارس، فيما تضرر أو دُمّر ما يقرب من 2800 مدرسة (من أصل نحو 16 ألفا) جراء الحرب".
وفي مناطق الحكومة الشرعية بالبلاد، لا يتوفر من الكتب المدرسية سوى 13 بالمئة من الاحتياج الفعلي، مع وجود عجز كبير في أعداد المعلمين والمعلمات نتيجة توقف التوظيف منذ أكثر من 12 عاما، وهي نفس المشكلات التي يشهدها قطاع التعليم في المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين في البلاد.
الدول المستقرة نسبيا
ربما ترتبط جُُل المشاكل، التي يواجهها قطاع التعليم، في العالم العربي، في الدول المستقرة نسبيا، بقضية ضعف التمويل، إذ يبدو واضحا من مطالعة أي ميزانية لحكومة عربية، أن قطاعي التعليم والصحة، لا يحصلان إلا على الفتات، وهو ماينعكس سلبا بصورة تلقائية، على وجود بنية تحتية قوية في المنشآت التعليمية، كما ينعكس سلبا على رواتب المدرسين، وتدريبهم بالشكل الكافي، على الأساليب العصرية في التعليم ،وتحديث المناهج التعليمية، مما يؤثر على قدرتهم في إيصال المعلومات، وتحفيز الطلاب، وتعزيز جودة الخدمات التعليمية في نهاية المطاف.
كذلك تواجه معظم دول المنطقة العربية المستقرة نسبيا، تحديات كبيرة، فيما يتعلق بمواكبة تكنولوجيا التعليم الحديثة، وكذلك في مجال تحسين جودة التعليم. وهو الجانب المتعلق بالتدريب الجيد للمعلمين، وتنمية مهاراتهم التعليمية، وكذلك تحديث المناهج الدراسية، لتكون أكثر انسجامًا مع احتياجات سوق العمل والمجتمع، وتقديم طرق تقييم فعالة لقياس تحصيل التلاميذ.



