خبرني - حين تُضاء الكشافات في ملعبٍ كبير، لا يلمع العشب وحده؛ تلمع دفاتر كاملة: حجوزات طيران، جداول عمل، عقود بث، وموازنات بلدية تحاول أن تبدو متماسكة أمام كاميرات العالم. البطولات الكبرى — كأس العالم، الألعاب الأولمبية، وبطولات القارات — ليست “أسبوعين من المتعة” فقط. هي لحظة يلتقي فيها الترفيه بالاقتصاد الحقيقي: غرف فندقية تُباع، مطاعم تزدحم، ومشاريع بنية تحتية تتسارع لأن الموعد صار مكتوباً على التقويم العالمي.
لكن تأثيرها ليس سحراً باتجاه واحد. الأرقام قد تُبهج أو تُقلق، بحسب من يدفع ومن يقبض، وبحسب ما إذا كانت المدينة تملك خطة لما بعد المباراة النهائية. لذلك يستحق السؤال أن يُطرح بلا حماس زائد: لماذا تُعد البطولات الكبرى مهمة للاقتصاد، وكيف تتحول من احتفال مؤقت إلى أثر طويل؟
قبل صافرة البداية… المدينة تدخل مناقصة كبيرة
الاقتصاد يبدأ قبل وصول المنتخبات بسنوات. ملف الاستضافة يعني بناء وتجديد، أمن ونقل، وتنظيم متشعب. وفي كثير من الحالات تُستخدم البطولة كذريعة “محترمة” لتسريع مشاريع كانت ستتأخر في الظروف العادية: محطة تُفتتح في وقتها، طريق يُستكمل، أو ملعب يُعاد تصميمه ليتوافق مع المعايير. هذا الإنفاق يُحرّك شركات وخدمات، لكنه يفتح أيضاً نقاشاً حول الأولويات: هل تُبنى المنشآت لخدمة السكان بعد الحدث، أم لخدمة الصورة في لحظة الذروة؟
سياحة على إيقاع الجدول… جماهير تترك أثراً نقدياً
الأثر الأكثر وضوحاً هو حركة الزوار. الأرقام تُظهر حجم التدفق: حضر كأس العالم 2022 في قطر 3,404,252 متفرجاً بحسب إحصاء الحضور في صفحة البطولة على ويكيبيديا. وفي يورو 2024 بألمانيا، تُسجل صفحة الإحصاءات على ويكيبيديا حضوراً إجمالياً قدره 2,681,288 متفرجاً.
هذه الحشود لا تُترجم تلقائياً إلى “ثراء”، لكنها تُترجم إلى إنفاق مباشر: نقل محلي، ليالٍ فندقية، ومشتريات يومية لا تدخل عادة في خطط التصدير. كما يلتقط الاقتصاد المحلي أثراً ثانوياً: مدينة تظهر على الشاشات فتدخل قوائم السفر لاحقاً، حتى لدى من لم يأتِ أصلاً. هنا تصبح البطولة إعلاناً سياحياً طويل المفعول إذا وُجدت خطة لاستثماره.
حقوق البث… المال الذي يعبر الحدود أسرع من الطائرات
التأثير الأكبر أحياناً لا يأتي من المدرجات بل من الشاشات. في صفحة “Football economics” على ويكيبيديا يُذكر أن حقوق البث التلفزيوني تمثل أكبر حصة من دخل FIFA، وأن دورة 2019–2022 حققت 3,426 مليون دولار من حقوق البث (45% من إيرادات الدورة). هذا يوضح كيف يتحول الحدث إلى “منتج إعلامي” يُباع عالمياً، وكيف ترتبط البطولة بسوق إعلانات ورعايات وتغطيات رقمية تسبق الكرة نفسها إلى كل بيت.
والألعاب الأولمبية تُظهر نمطاً قريباً: صفحة اللجنة الأولمبية الدولية على ويكيبيديا تذكر أن إيرادات 2013–2016 كانت نحو 5 مليارات دولار، وأن 73% منها جاءت من حقوق البث. عندما نفهم هذه النِّسب، نفهم لماذا تصبح التكنولوجيا والبث المتعدد المنصات قلب المسألة الاقتصادية: التغطية لا تنقل السباق فقط، بل تنقل قيمة تجارية ضخمة معه.
أعمال مؤقتة… ثم اقتصاد خدمات يتنفس
خلال البطولة تتوسع فرص العمل، ولو بشكل مؤقت: تنظيم، أمن، ضيافة، نقل، وإنتاج إعلامي. كثير من هذه الوظائف موسمي، لكنه ينعكس على دخل أفراد وشركات صغيرة في فترة قصيرة. وفي المدن التي تمتلك قطاع فعاليات قوي، تتحول “الخبرة المتراكمة” إلى جزء من الأثر: فرق قادرة على إدارة مؤتمرات ومعارض لاحقاً، لا مباريات فقط. المشكلة تظهر عندما تُبنى القدرة حول حدث واحد ثم تُترك بلا جدول سنوي، فينتهي الدخل بانتهاء التصفيق.
الرهان المنظم والضرائب سوقٌ يدفع للدولة أيضاً
في الأسواق المنظمة، لا تُجرى المراهنات على هوامش هامشية أو غير واضحة؛ بل هي قطاع منظم يخضع للرسوم والتراخيص والضرائب. تُفرض الضرائب عادةً على المعاملة نفسها، أو على قيمة الرهان/حجم التداول، أو على إجمالي إيرادات الألعاب. وتختلف الصيغة أحيانًا تبعًا للتشريعات المحلية. ومن الأمثلة البارزة على "ضريبة المراهنات" ألمانيا، حيث تُفرض ضريبة بنسبة 5% على المراهنات الرياضية منذ 1 يوليو 2012. وفي سياق ضرائب المراهنات غير المباشرة، يُشار إلى "ضرائب المعاملات" كأداة لجمع الإيرادات وتنظيم السوق، وهو ما يفسر سبب إلزام وكلاء المراهنات المرخصين بدفع الضرائب للدولة ضمن إطار قانوني محدد.وفي هذا الفضاء الرقمي، الذي يجمع الإحصائيات والتحديثات والاحتمالات على شاشة واحدة، لا يقتصر الإطار الضريبي على المراهنات الرياضية فقط. ففي كثير من الدول، يمتدّ التنظيم والضرائب أيضاً إلى ألعاب الحظ الرقمية، مثل الكينو. وتُعامل هذه الألعاب ضمن نفس المنظومة القانونية التي تهدف إلى تنظيم السوق، حماية المستخدم، وضمان إيرادات للدولة. في هذا السياق، قد يلجأ بعض المشجعين إلى منصات مثل كينو ماروك كجزء من تجربة ترفيهية رقمية موازية، مع بقاء الفصل واضحاً بين المتابعة الرياضية واتخاذ قرارات مالية مسؤولة.
البنية التحتية… ما الذي يبقى بعد آخر صافرة؟
الاختبار الحقيقي يبدأ بعد انتهاء الحدث. بعض البنى تبقى نافعة لعقود، وبعضها يتحول إلى عبء صيانة. في باريس 2024، تذكر ويكيبيديا أن الألعاب كانت “متوقعة” أن تكلف نحو 9 مليارات يورو. وفي الطرف الآخر من الطيف، يعرض قسم “Cost of hosting the tournament” في صفحة كأس العالم 2022 تقديرات متداولة تفوق 220 مليار دولار مع الإشارة إلى أن هذا الرقم محل نزاع وأن مسؤولين قطريين قدموا تقديرات مختلفة، لأن جزءاً كبيراً يرتبط أيضاً بمشاريع بنية أوسع منذ منح الاستضافة عام 2010.
لهذا تُحسم قيمة البطولة اقتصادياً عبر سؤال بسيط: هل كان الاستثمار موجهاً لاحتياجات السكان، أم لإبهار اللحظة فقط؟ ملعب يمكن تحويله لاستخدام محلي، وخط نقل يخدم الأحياء يومياً، يختلفان تماماً عن منشأة تُغلق بعد انتهاء العدسات.
سمعة دولية… ومحاسبة محلية لا مفر منها
هناك أيضاً اقتصاد السمعة: الدولة التي تستضيف تظهر كوجهة استثمار وسياحة، وقد تجذب فعاليات أخرى. لكن السمعة وحدها لا تسدد الفاتورة. صفحة “Economics of the FIFA World Cup” على ويكيبيديا تصف نتائج الأثر الاقتصادي بأنها “مختلطة”، أي أن المكاسب ليست مضمونة دائماً وأن التكاليف قد تكون عالية مقابل عوائد متفاوتة.
في النهاية، البطولة الكبرى تشبه مهرجاناً ضخماً يمر فوق المدينة: يمكن أن يترك وراءه شوارع أفضل وفرصاً وخبرة، ويمكن أن يترك ديوناً وتسهيلات فارغة. الاقتصاد لا يكره الرياضة، لكنه يكره الغموض. لذلك تصبح البطولات الكبرى مهمة حين تُدار كخطة تنمية لما بعد الحدث، لا كليلة واحدة طويلة.



