خبرني - في أزقة مدينة غازي عنتاب العريقة بجنوب شرق تركيا، يفوح عبير مشروب لا يشبه غيره، هو "قهوة" بالاسم فقط، لكنه في الحقيقة إرث ضارب في عمق التاريخ الإنساني. إنها قهوة "المننغِتش" (Menengiç kahvesi)، المشروب الذي صمد آلاف السنين لينافس القهوة التركية التقليدية، مقدماً بديلاً صحياً خالياً من الكافيين ومحملاً بعبق الجبال.
سر الثمار البرية.. مذاق يجمع الجوز بالمرارة
خلافاً للقهوة المعتادة، لا تأتي "Menengiç" من حبوب البن، بل من ثمار شجرة "البطم"، وهي نوع من الفستق البري الذي ينمو في المرتفعات. يتم تحميص هذه الثمار وطحنها بعناية حتى تتحول إلى معجون كثيف، ثم تُمزج غالباً مع الحليب الساخن لتتحول إلى شراب غني بالرغوة، يتميز بطعمه الجوزي الفريد ومرارة خفيفة تداعب الحواس، وتُقدم في فناجين صغيرة تحاكي طقوس القهوة التركية.
صيدلية الشتاء.. إرث الجدات في فنجان
بينما يُشرب الشاي والقهوة للتواصل الاجتماعي، تحتل "Menengiç" مكانة "المعالج المنزلي" في غازي عنتاب. فعبر الأجيال، توارثت النساء الريفيات سر هذا المشروب كعلاج فعال للسعال، والزكام، والتهاب الحلق في ليالي الشتاء الباردة. ورغم أن العلم الحديث لا يزال يستكشف أسرارها، إلا أن الدراسات الأولية تؤكد غنى ثمار البطم بالبروتينات، والمعادن، ومضادات الأكسدة، مما يجعلها "سوبر فود" تقليدياً يدعم المناعة بامتياز.
من "غوبكلي تبه" إلى الاتحاد الأوروبي
لم تكن هذه القهوة وليدة الصدفة؛ إذ يعتقد علماء الآثار أن جذورها قد تعود إلى 12,000 عام. ففي موقع "غوبكلي تبه" التاريخي القريب، عُثر على بقايا فستق بري وأحجار طحن قديمة، مما يشير إلى أن سكان المنطقة في العصر الحجري الحديث عرفوا أسرار هذه الثمرة واستخدموها في غذائهم.
وتكريماً لهذا التاريخ العريق، حصلت "Menengiç" في عام 2024 على وضع المؤشر الجغرافي من الاتحاد الأوروبي، ما ثبت رسمياً علاقتها العضوية بهوية غازي عنتاب الثقافية.
"طاحمس".. حيث يتنفس التاريخ
لا تكتمل زيارة غازي عنتاب دون الجلوس في مقهى "طاحمس" (Tahmis Kahvesi)، الذي تأسس عام 1635 ويعد من أقدم المقاهي في العالم. هناك، لا تُباع "Menengiç" كمشروب فحسب، بل تُقدم كرمز للفخر المحلي وصمود التقاليد العثمانية أمام موجة المقاهي الحديثة.
من استخدامها قديماً كتوابل وزيوت وإضافات للحلويات، بقيت "Menengiç" اليوم صامدة كجسر يربط بين التاريخ الغذائي السحيق والطب الشعبي والتقاليد العائلية، لتثبت أن الأصالة لا تفقد بريقها أبدا.



