*
السبت: 24 يناير 2026
  • 24 يناير 2026
  • 18:44
عمَا يتساءلون    تشريح السيادة عندما تصبح أعراضها مرضاً
الكاتب: عماد داود

يتساءلون عن الحدود الدفاعية، عن التحالفات الإقليمية، عن مؤشرات النمو واتفاقيات التجارة، وكأن الدولة آلة معقدة يبحثون فيها عن زر التشغيل الأمثل. لكن الدولة ليست آلة، بل كائن تاريخي تنبض في شرايينه ذاكرة الماضي وتوترات المستقبل.

 ما يُطرح من أسئلة غالباً ما يكون مجرد قشور تغلي فوق قدر الضغط، بينما اللحم الحقيقي للقضية يطهى في حرارة صامتة تحت القاع!

 الاستقرار ليس مسألة أمنية بقدر ما هو مسألة شرعية عميقة، والشرعية ليست شعوراً عابراً بل هي النسيج الضام بين إرادة الحاكم وإرادة المحكوم؛ هي العقد الأخلاقي غير المكتوب الذي يحول القوة إلى سلطة، والسلطة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى إرث.

المرض الحقيقي يبدأ عندما تتحول الدولة من منظومة أخلاقية تحمل مشروعاً تاريخياً إلى مؤسسة خدماتية تتفاوض على البقاء يوماً بيوم!؛ عندها يصبح القرار السياسي رد فعل، وليس فاعلاً، ويغدو الاهتمام منصباً على تخفيف الألم لا على استئصال الداء!

 ارتفاع صوت المعارضة ليس المرض، بل هو السعال الذي ينبهك إلى التهاب في الرئة! وانخفاض المؤشر الاقتصادي ليس المشكلة، بل هو الحمى التي تكشف عن عدوى منهكة في جهاز الإنتاج! الخطأ الاستراتيجي الأكبر هو معالجة السعال بالمثبطات وإسكات الحمى بالمسكنات؛ بينما العفن ينتشر في الرئتين والعدوى تتغلغل في الدم!

ما لا يُقال في غرف القرار أهم بكثير مما يُعلن!

 لا يُقال أن بعض التحالفات الخارجية، وإن أعطت هامش أمان لحظة، فإنها تستهلك رأس المال السياسي الداخلي وتضعف المناعة الوطنية!

 لا يُقال أن بعض الوظائف العمومية التي تُخلق لتهدئة التوتر هي في الحقيقة خلايا سرطانية في جسد الاقتصاد، تستهلك الموارد وتشل الحركة!

 لا يُقال أن الصمت الرسمي إزاء قضايا أساسية لا يُفهم منه التسامح، بل يُفهم منه؛ إما الجهل بالخطر أو العجز عن المواجهة، وكلاهما مرض يدمر الهيبة!

 وهيبة الدولة ليست في صرامة قوانينها بل في عدالتها، وليست في قوة جيشها بل في تماسك شعبها، وليست في علو صروحها بل في عمق إيمان أبنائها بمشروعها!

ابن خلدون علمنا أن للدول أعماراً كأعمار البشر، لكن الشيخوخة ليست حتمية زمنية بل هي تراكم لعادات الفساد، واحتقان في قنوات التواصل، وانتشار لروح الوصاية بدل الشراكة، والريعية بدل الإنتاج!

 التآكل الصامت يبدأ حين تصبح المصطلحات فضفاضة، والأهداف غائمة، والمسؤوليات مُبعثرة. يبدأ عندما يفقد القرار صلابته ويصبح كالعجينة الطيعة تُشكلها ضغوط اللحظة لا إرادة المستقبل!

والسقوط من الداخل  ليس حدثاً دراماتيكياً، بل هو البياض الذي يزحف في الشعر! هو ذلك التعب الخفي في العضلات قبل المرض! هو الصمت الذي يستقر بين الكلمات الذي لا يأتي كالزلزال، بل كالشق الذي يبدأ بصمت في حائط الأساس، ولا يراه إلا من ينظر إلى ما تحت الأرض! وتلك هي الطامة الكبرى: أن يظن القائمون على الأمر أن الهدوء السطحي علامة صحة، بينما هو في الحقيقة سبات الأعضاء قبل الغيبوبة!

 التآكل الصامت للشرعية أشبه بملح يذوب في ماء الزمن، لا تراه العين لكنك تذوق مرارته فجأة؛ عندما تريد أن تشرب من نبع الولاء فلا تجده عذباً!

 الفساد الذي يتحدثون عنه ليس أوراق نقد في مغلفات، بل هو ذلك التحول الخفي في القيمة؛ حين تصبح المصلحة الشخصية مقياساً والواجب الوطني شكلاً بلا روح. والسيادة التي يُظن أنها تحمي بالحديد والنار، هي في حقيقتها تُختزل كل يوم بقرارات صغيرة تبدو عملية، لكنها تبيع المستقبل سندات على حاضر واهن!

 الدولة الجديرة بالبقاء هي التي تسمع دقات قلبها في ظهيرة الصخب، وتتنبه للنبض الخافت قبل أن يصبح صرخة. لأن التاريخ لا يسجل سقوط الجدران، بل يسجل اللحظة التي توقف فيها البنّاؤون عن إصلاح الشقوق، وظنوا أن المطر لن يأتي!

مواضيع قد تعجبك