*
Friday: 23 January 2026
  • 23 يناير 2026
  • 15:09
من ابتلاء غزة إلى أفق التمكين قراءة سننية في ضوء الإسراء والمعراج
الكاتب: أ. د. هاني الضمور

حبرني - كتب: ا د هاني الضمور: 

حين نقرأ السيرة النبوية، لا نقرؤها بوصفها تاريخًا منقطعًا عن الواقع، بل باعتبارها مرآةً تتكرر فيها السنن، وتتشابه فيها المراحل، وإن اختلفت الأزمنة والأماكن. ومن هذا المنطلق، فإن ما يمرّ به أهلنا اليوم في قطاع غزة من ابتلاءات قاسية، لا يمكن فصله عن المنطق القرآني والنبوي الذي ربط بين الألم العميق والتحولات الكبرى.

غزة اليوم تعيش لحظة شبيهة بتلك التي سبقت الإسراء والمعراج في السيرة النبوية. حصار خانق، تدمير ممنهج، فقدٌ للأحبة، واستهداف للمدنيين، في مشهد يبدو فيه العالم صامتًا أو متواطئًا، وتكاد فيه كل الأسباب الأرضية للنصرة أن تتلاشى. هذا الإحساس بالخذلان العام، والانكشاف الكامل، ليس غريبًا في تاريخ الرسالات، بل هو مرحلة متكررة تسبق عادةً التحولات الكبرى.

في مكة، عانى النبي ﷺ والمسلمون الأوائل من الاستضعاف والتجويع والتعذيب، وفقدوا السند تلو السند، حتى بدا المشهد وكأن الدعوة محاصرة من كل اتجاه. وفي غزة اليوم، يتكرر المشهد بأدوات أكثر دموية، لكن بالمنطق نفسه: كسر الإرادة، وتحطيم المعنويات، وإشاعة اليأس بوصفه سلاحًا أخيرًا. غير أن السيرة تعلمنا أن هذه المرحلة ليست نهاية الطريق، بل ذروته قبل الانعطاف.

كما جاءت حادثة الإسراء والمعراج بعد عام الحزن، فإن لحظات الانكسار الكبرى غالبًا ما تكون إيذانًا بفتحٍ من نوع آخر، قد لا يكون فوريًا ولا على الصورة التي نتصورها، لكنه أعمق أثرًا وأبعد مدى. فالإسراء لم يُنهِ الأذى في مكة مباشرة، لكنه أعاد تشكيل الوعي، وثبّت القلوب، وحرّر النفوس من الارتهان الكامل للواقع الظاهر، وهو ما نراه اليوم في صمود أهل غزة، حيث تُقصف البيوت ولا تُقصف الإرادة، ويُحاصر الجسد بينما تبقى الروح حرة.

إن مشهد الثبات في غزة، رغم شدة الألم، يعكس قانونًا قرآنيًا راسخًا: أن الابتلاء لا يُقاس بحجمه، بل بثماره. فكما كان فرض الصلاة في المعراج إعدادًا نفسيًا وروحيًا لمرحلة بناء الدولة، فإن ما يتشكل اليوم في وعي الأمة من جديد حول قضية غزة، من سقوط للأقنعة، وانكشاف للزيف الأخلاقي العالمي، وإعادة تعريف لمعاني العدل والظلم، هو جزء من هذا الإعداد الطويل والمؤلم.

ولا يعني ربط الابتلاء بالتمكين تبرير الألم أو التقليل من فداحته، فدماء الأبرياء ليست وسيلة، ومعاناة الأطفال ليست مرحلة عابرة، لكن السنن الإلهية تخبرنا أن الظلم حين يبلغ مداه، يبدأ في تقويض نفسه. وغزة، بما قدمته من تضحيات، أعادت للقضية الفلسطينية مركزيتها، وكسرت حالة التطبيع الوجداني مع الظلم، وأيقظت ضمائر كانت في سبات طويل.

إن قراءة ما يحدث في غزة في ضوء الإسراء والمعراج تعيد توجيه البوصلة: فالنصر ليس حدثًا لحظيًا، بل مسارًا، والتمكين لا يولد فجأة، بل يتكوّن في رحم المعاناة. وكما لم تكن الإسراء هروبًا من الواقع، بل إعدادًا للعودة إليه بقوة، فإن صمود غزة ليس انسحابًا من التاريخ، بل كتابة له بدمٍ ووعيٍ وصبر.

وفي النهاية، تبقى غزة اليوم شاهدًا حيًا على أن سنن الله لا تتبدل، وأن بعد أقسى مراحل الألم تثبيتًا، وبعد التثبيت تحوّلًا، وبعد التحول فجرًا جديدًا، مهما طال الليل. فالتاريخ لم يكن يومًا مع الظالمين، وإن بدا ذلك، لكنه دائمًا، وفي اللحظة الحاسمة، ينحاز إلى من صبر وثبت وآمن أن للسماء كلمة لا تُقهر.

مواضيع قد تعجبك