خبرني - كتب عماد داود:
لم يكن السؤال يومًا عن الكاز،
بل عن اللحظة التي قرررنا فيها أن نشك في الدفء نفسه!
لم يكن الكاز يومًا موضوعًا للنقاش.
كان رائحةً، لا رأيًا!
كان دفئًا، لا ملفًا!
كان ما يحدث في المساء حين تقترب الأجساد، وتتحلّق حول المدفأة، حين يصير الصمت عائليًا بما يكفي ليُحتمل، ويصير الكلام أقل ضرورة من الحضور!
لم نسأل عن لونه، لأن الأشياء في ذلك الزمن لم تكن مطالَبة بأن تُثبت براءتها وعذريتها! كانت شفافة لأنها وُلدت في عالم يثق بنفسه؛ عالم لم يكن يحتاج إلى دليل استخدام كي يصدق أن الدفء دفء!
حين تغيّر لون الكاز، قالوا لنا إن ذلك من باب الحماية، من باب الرقابة، من باب منع الغش. قالوا ما هو صحيح تقنيًا، لكنهم لم يقولوا ما هو صحيح وجوديًا؛ لم يقولوا إن اللون لم يُضف إلى الكاز وحده، بل أُضيف إلى الزمن كله! لم يقولوا إن الشفافية لم تعد فضيلة، بل صارت مشكلة! ولم يقولوا إن البراءة لم تعد كافية، بل تحتاج إلى كاشف!
فاللون هنا ليس صبغة كيميائية، بل إجراء أخلاقي بديل؛
حين تعجز القيم عن حماية نفسها، تُستدعى الألوان!
الكاز لم يتغيّر لأنه سائل، بل لأننا لم نعد نحتمل أن يكون الشيء هو نفسه فقط! صرنا نحتاج إلى علامة، إلى ختم، إلى لون، إلى تفسير. صرنا نعيش في عالم لا يُصدَّق فيه الدفء إلا إذا كان مُلوَنًا، ولا تُصدَّق فيه النية إلا إذا كانت موثقة، ولا يُصدَّق الإنسان إلا إذا قدّم نفسه مع دليل استخدام!
ومن هنا يبدأ السؤال، لا عن الوقود، بل عن كل ما فقد شفافيته دون أن ننتبه!
لماذا قبلها تغيّر طعم التفاح أيضًا؟
لماذا صار جميلًا إلى حد الريبة؟
لماذا يؤدي وظيفته الغذائية كاملة، لكنه لا يترك أثرًا؟
زمان...! لم تكن التفاحة مثالية؛ كانت معطوبة قليلًا؛ تحمل خدش الأرض، وتخون شكلها أحيانًا، لكنها كانت صادقة! كانت تُقنعك من أول قضمة، لا لأنها أحلى، بل لأنها حقيقية!
كانت تفاحة! لا وعدًا غذائيًا، ولا منتجًا معدَّلًا وراثيًا، ولا صورة في إعلان. كانت تُقضم فتفهم فورًا لماذا ذُكرت في الأساطير، ولماذا طُرد آدم من الجنة بسببها، ولماذا سقطت على رأس نيوتن!
نحن لم نُحسّن طعم التفاح، نحن أخرجناه من الزمن! فصلناه عن موسمه، وعن انتظاره، وعن علاقته بالصبر! الطعم، في جوهره، ليس مسألة ذوق ولسان، بل مسألة زمان!
وما لا ينتظر، لا يترك أثرًا!
التفاح الذي لا ينتظر موسمه،
يشبه الحقيقة التي تُقال قبل أن تنضج:
تبدو كاملة، لكنها لا تُقنع!
اليوم، التفاحة مصقولة، لامعة، متناسقة، لكنها بلا قصة! تشبه صورة سيلفي عالية الجودة: كل شيء فيها صحيح؛ لكن لا شيء فيها حيّ!
وهكذا، ومثلما تغيّر طعم التفاح، تغيّر طعم الأيام أيضًا!
الأيام التي لا نملك لها صورًا عالية الدقة كانت أقل ضجيجًا؛ لا لأنها أرحم، بل لأنها لم تكن تُبثّ مباشرة! كانت الأخبار تُبث مرة واحدة، ثم تُترك لضمير السامع! اليوم، الخبر يُعاد ويُجتر حتى يفقد معناه، ويُعاد الألم حتى يصير مادة!
في ذلك الزمان، كانت البلاد بسيطة إلى حد يجعلها غير قابلة للاستخدام، وغير قابلة للتوظيف السياسي، ولا للاستهلاك السريع! الناس كانوا يعرفون بعضهم بعضًا دون تطبيقات ودون GPS، وكانت الأسماء أخف لأن أصحابها لم يكونوا مضطرين لحملها كعلامات تجارية.
الطيبة لم تكن بطولة، والبساطة لم تكن موقفًا دفاعيًا؛ كانت الحالة الطبيعية للأشياء.
وزمان، كانت النساء أكثر أنوثة؛ لأن الأنوثة لم تكن عرضًا، بل حضورًا! لم تكن مُضاءة، ولا مصفّاة، ولا مُفلترة؛ كانت تسير في الشارع كأنها تعرف سرًّا لا نعرفه! والبنات كنّ يخفين أنوثتهن في دفاتر العلوم؛ لا خوفًا، بل ذكاءً، لأن الأشياء الثمينة لا تُعرض!
اليوم، كل شيء معروض، حتى ما لا يجب أن يُرى. الفائض في الظهور قتل الدهشة، كما قتل فائض التفسير متعة الفهم!
والبركة… تلك الكلمة التي لا تجد لها خانة في الموازنات ولا بندًا في التقارير، لكنها كانت تجعل القليل كثيرًا، وتجعل البيت أوسع مما هو، والليل أدفأ مما ينبغي. البركة لم تختفِ لأن الموارد شحّت، بل لأن العلاقة بين الإنسان والشيء انكسرت؛ صرنا نستهلك قبل أن نفهم، ونشرح قبل أن نشعر، ونشتكي قبل أن نتذكّر!
في القرى، لم تكن الذاكرة مشروعًا ثقافيًا، بل طريقة عيش وأسلوب حياة. كل قرية كانت تعرف بداياتها دون أن تكتبها: أول طالب تخرج منها، أول معلم حمل الطباشير كرسالة، أول دكان كان اقتصادًا وملتقى وبنكًا موثوقًا أيضًا! التفاصيل الصغيرة كانت تُحفظ لأن الزمن كان بطيئًا بما يكفي ليحترمها!
ونهر الأردن لم يكن خطًا أزرق على خريطة، بل كان شاهدًا! مياهه لم تكن جغرافيا فقط، بل معنى! كانت القرى تتكئ عليه كما يتكئ الإنسان على ذاكرته؛ لا ليشرب فقط، بل ليطمئن أن شيئًا ما ما زال يجري كما ينبغي!
والحجر، عندنا، لم يكن جمادًا!
من البيوت الطينية إلى المدن المنحوتة في الصخر؛ كان الحجر ذاكرة صلبة لا تخون! والصحراء أيضًا لم تكن فراغًا، بل حكمة صامتة؛ صمتها كان يحتفظ بالأسرار لأنه يعرف أن الضجيج يبددها!
ذلك الزمان لم يكن خاليًا من الفقر ولا من القسوة، لكنه كان خاليًا من الوقاحة!
كان الناس يتألمون، لكنهم لا يُستعرضون. كانوا يجوعون، لكنهم لا يُدارون كبيانات. كانت الحياة أقل راحة، لكنها أكثر معنى!
وحين تغيّر لون الكاز، لم يكن ذلك مجرد إجراء؛ كان اعترافًا غير مكتوب بأن الثقة لم تعد صالحة للاستخدام، وبأن السوق يحتاج كاشفًا، وأن الأخلاق صارت احتمالًا لا مسلّمة! لأن المادة حين تحتاج إلى لون كي لا تُغشّ، فمعنى ذلك أن الغش لم يعد استثناء، بل احتمالًا قائمًا بذاته!
أخطر ما في الألوان المضافة للأشياء،
أنها تعلّمنا – ببطء – أن نضيف ألوانًا لأنفسنا.
نُجمّل النية، ونُحسّن السيرة، ونُفلتر الذاكرة،
حتى لا نُتّهم بأننا “غير صالحين للاستخدام العام!”
نحن لا نشتاق إلى الماضي لأنه مثالي، بل لأنه لم يكن يحتاج إلى شرح! لم يكن هناك سؤال: لماذا كان هذا أجمل؟ لأن السؤال نفسه لم يكن مطروحًا. اليوم نسأل لأننا نشك؛ نشك في الطعم، في اللون، في النوايا، وحتى في ذاكرتنا!
الصدمة ليست أن الكاز تغيّر لونه.
الصدمة أننا فهمنا السبب ولم نشعر بالراحة!
أما الخلود، فليس أن نعيد الزمن، ولا أن نقدّسه، ولا أن نعيشه من جديد. الخلود أن نفهم ما الذي فقدناه بالضبط، لا كي نبكيه، بل كي لا نفقد ما تبقّى!
وأن نفهم أن الشفافية ليست لونًا، وأن الطيبة ليست سذاجة، وأن البساطة ليست مرحلة طفولية من التاريخ!
لماذا تغيّر لون الكاز؟
لأنه كان لا بد أن يتغيّر في عالم قرر أن يُدار بدل أن يُعاش!
لكن السؤال الأخطر، الذي لا بيان رسمي من هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن حوله، هو:
متى تغيّر لوننا نحن؟
وهل ما زال فينا ما يكفي من الدفء،
كي لا نحتاج يومًا إلى تلوين أنفسنا
حتى نُصدَّق؟
ربما لم يتغيّر لون الكاز وحده.
ربما تغيّر تعريف الصدق نفسه:
من شيء يُعاش،
إلى شيء يُفحص!



