*
السبت: 17 يناير 2026
  • 17 يناير 2026
  • 16:39
من مأساة الغابون إلى مجد ليبرفيل قصة تتويج زامبيا القاري وفاء لأرواح 1993

في صباح 28 أبريل/نيسان 1993، لفظت مياه المحيط الأطلسي قبالة العاصمة الغابونية ليبرفيل جثث لاعبي منتخب زامبيا بعد سقوط طائرة عسكرية كانت تقلهم، كأنها نعش طائر، في مأساة لا تنسى في كرة القدم الأفريقية.

وفي التاسع من فبراير/شباط 2012، يعود جيل جديد من المنتخب الزامبي للمرة الأولى منذ كارثة الغابون إلى الشاطئ ذاته ليحيي ذكراهم وأرواحهم، عشية النهائي الأفريقي الثالث لزامبيا، والتتويج الأول.


"تحطم بوفالو"
يتجمع لاعبو الـ "تشيبوبولوس" في مطار قرب لوساكا عاصمة زامبيا، للسفر إلى العاصمة السنغالية دكار، في 27 أبريل/نيسان 1993، لخوض مباراة مع "أسود التيرانغا" ضمن تصفيات كأس العالم.

عندما وصل لاعبو المنتخب الزامبي المحليّون إلى المطار للصعود إلى الطائرة، استقبلهم الإداري في المنتخب باتريك كانغوا الذي أبلغ لاعب الوسط أندرو تيمبو وحارس المرمى الاحتياطي مارتن مومبا أنهما لن يسافرا لاستبعادهما من التشكيلة.

كان اللاعبون الزامبيون مزهوّين بفريقهم ونتائجه في التصفيات، وحالمين برحلة مونديالية بعد عام إلى بلاد "العم سام"، لكن طائرة (DHC-5 Buffalo) أخذتهم نحو سباتهم الأخير، بدلاً من الحلم الذي يراودهم.

أقلت الطائرة العسكرية الكندية الصنع، وفد المنتخب الزامبي المكون من 30 شخصاً، من لوساكا، وكان عليها التوقف مرات عدة للتزود بالوقود.

يروي الصحفي جاي موامبا صاحب كتاب "تحطم بوفالو" الذي يروي قصة سقوط الطائرة، عبر بي بي سي، أن الطائرة التي اشتُريت عام 1976 كانت متوقفة عن الطيران لمدة أربعة أشهر قبل إصلاحها.


لم تكن القدرات الاقتصادية للاتحاد الزامبي لكرة القدم، تسعفه لتحمل تكاليف الرحلات التجارية، فخُصصت الطائرة العسكرية لهم التي لم تكن قادرة على التحليق لرحلات طويلة.

تضمن جدول الرحلة إلى دكار محطات توقف في برازافيل في الكونغو، وليبرفيل في الغابون، وأبيدجان في ساحل العاج، وفق موامبا.

"لم تصل الطائرة إلا إلى ليبرفيل، ثم تحطمت الطائرة أثناء إقلاعها من هناك عندما انفجر المحرك الأيسر، وأُوقف تشغيل المحرك الأيمن عن غير قصد"، بحسب موامبا.

هوت الطائرة نحو مياه المحيط الأطلسي على بُعد بضع مئات من الأمتار من ساحل الغابون، ولم ينجُ أحد، بينهم 18 لاعباً.

لم يسافر كانغوا معهم، لكن مهمة أخرى أوكلت له. عليه التعرف على جثث لاعبي المنتخب في ليبرفيل.

يقول كانغوا لبي بي سي: "كانت الجثث في الماء لبعض الوقت، لذا بدأ بعضها بالتغير … وكان عليّ أن أحاول التعرّف على هوية هؤلاء … بعد ذلك، بكيت، وبكينا جميعاً …".

نجاة كالوشا
في الأثناء ذاتها، كان نجم "الرصاصات النحاسية" كالوشا بواليا يخلد للراحة قبيل بدء رحلته الجوية من أمستردام إلى داكار مروراً بباريس، لكن اتصالاً هاتفياً غير الكثير من مساره المستقبلي.

"كالو، عليك تأجيل رحلتك. لقد وقع حادث"، هكذا أخبر مسؤول في الاتحاد الزامبي بواليا.

يقول الصحفي والمؤلف موامبا لبي بي سي، إن ثلاثة لاعبين محترفين في أوروبا نجوا من الحادث، وهم لاعب أندرلخت البلجيكي تشارلز موسوندا، ولاعب سيون السويسري جونسون بواليا، وقائد المنتخب الزامبي كالوشا بواليا، الذي كان حينها محترفاً في نادي آيندهوفن الهولندي.

"موقع الأبطال"


في الثاني من أيار/مايو 1993، توافد أكثر من 100 ألف زامبي إلى "ملعب الاستقلال" في لوساكا الذي كان يتسع إلى 35 ألف شخص، ليس لتشجيع نجوم المنتخب الوطني، بل لتوديعهم وحضور جنازتهم.

ووري الضحايا الثرى، وزُرع أمام كل قبر شجرة في حديقة تذكارية تُسمى "موقع الأبطال"، قرب الملعب.

بولسن والمنتخب الجديد

يقول بواليا: "كنتُ أعتقد أن زامبيا لن تلعب (مجدداً). ​​كنتُ مقتنعاً بأن طموحنا في تحقيق أي شيء تبدد".

في غمرة الحزن واليأس، يرد بواليا على اتصال هاتفي. إنه الرئيس الزامبي يُقنعه بالمضي قُدماً، لتبدأ بعد ذلك مرحلة البناء بعد التحطم والغرق.

تُبدي الدنمارك استعدادها لدعم مرحلة البناء.

في لوساكا، اختار مدربون قرابة ستين لاعباً، تمهيداً لإرسالهم إلى معسكر تدريبي لمدة ستة أسابيع في الدنمارك على نفقة الحكومة الدنماركية.

وفي كوبنهاغن، كان في انتظارهم مدربهم الجديد روالد بولسن (42 عاماً) المتوج بلقب الدوري الدنماركي مع فريق أودنسه.

"لم تكن لديّ أدنى فكرة عمّا سأفعله، لم أكن أعرف شيئاً عن اللاعبين، ولا عن خلفياتهم، ولا عن المجتمع نفسه، ولا أي شيء عن كرة القدم الزامبية"، يقول بولسن.

يصف بولسن لاعبيه الجدد، بقوله: "لم يسبق لمعظمهم مغادرة أفريقيا".

اضطر بولسن لطمأنتهم بأنّ الركض الخفيف بعد التدريب في غابات الدنمارك آمن، موضحاً أنّ خطر هجوم الأسد أقلّ منه في زامبيا.

أما حامل شعلة البناء، كالوشا بواليا، يتحدث عن شعور الجميع بأهمية بذل جهد إضافي "تكريماً للأبطال الشهداء".

وفي يوليو/تموز 1993، فاز المنتخب الجديد على المغرب في تصفيات المونديال بهدفين سجلهما الناجيان جونسون وكالوشا بواليا، ليعلنها بولسن: "وُلد منتخب وطني جديد".

المنتخب الجديد في نهائي أمم أفريقيا
يقول موامبا لبي بي سي، إن كارثة الغابون أثرت بشدة على زامبيا، ومع ذلك، أعاد الزامبيون، على جميع المستويات، تنظيم صفوفهم، واستمروا في التفوق الرياضي لسنوات.

أدى المنتخب الزامبي بشكل جيد فاق التوقعات، وكان قريباً للغاية من التأهل لمونديال 1994، لكن نقطة وحيدة حالت بينهم وبين تحقيق حلم الراحلين واللاعبين الجدد.

وفي العام التالي، كانت المفاجأة في كأس أمم أفريقيا التي أُقيمت في تونس عام 1994. "الرصاصات النحاسية" تحجز مقعداً في نهائي البطولة القارية، لمواجهة نيجيريا.

منح إيليا ليتانا التقدم لزامبيا في الدقيقة الرابعة، لكن هدفي النيجيري إيمانويل أمونيكي، جعلا اللقب من نصيب "النسور الخضراء".

خلال أقل من عام، خسرت زامبيا فريقاً، وشكلت آخر كاد أن يُحقق إنجازين غير مسبوقين للبلاد.

يقول كالوشا بواليا: "كان عاماً صعباً، كأنك تحتاج إلى عشر سنوات لتستوعب ما حدث بالضبط".

يضيف: "الأبطال الراحلون، كانوا ينظرون إلينا ويقولون: "أحسنتُم، أنتم رائعون، استمروا'".

ليبرفيل من جديد والتتويج القاري الأول

في 2012، تنطلق بطولة أمم أفريقيا بتنظيم مشترك بين الغابون وغينيا الإستوائية.

كان منتخب زامبيا المشارك في كأس الأمم الأفريقية 2012 يفتقر إلى النجوم البارزين، ولم يكن مرشحاً للقب أو حتى لعب أدوار متقدمة في المنافسة الأفريقية.

يقول مدرب زامبيا في البطولة الفرنسي هيرفي رينار إن "الفوز باللقب كان مستحيلاً قبل انطلاق البطولة لكنه بدا ممكناً مع مرور الأيام والمباريات، وثقنا في قدراتنا، لسنا الأفضل لكن كانت لدينا قوة خارقة وعزيمة وإرادة كما حالفنا الحظ أيضاً".

في 2012، لم يعد كالوشا يرتدي القميص الأخضر والنحاسي، بعد أن أصبح عجوزاً على لعب كرة القدم، لكنه كان يدير دفة قيادة الكرة في بلاده، بعد تقلده رئاسة الاتحاد الزامبي.

مضى منتخب "تشيبوبولوس" في طريقه، ليصل إلى المباراة النهائية للمرة الثالثة في تاريخه، بعد تجاوز فرق مثل غانا والسنغال.

خاضت زامبيا مبارياتها الخمس الأولى في غينيا الاستوائية، غير أن مجريات القدر ساقت لاعبيها مجدداً إلى الساحل الذي احتضن جثث رفاقهم؛ إنها ليبرفيل من جديد.

يقول بواليا: "المباراة الوحيدة التي كنا سنخوضها في الغابون، في ليبرفيل، كانت المباراة النهائية".

كان من المقرر أن تُقام المباراة النهائية على بُعد أقل من 16 كيلومتراً من المكان الذي لقي فيه فريق عام 1993 حتفه قبالة سواحل الغابون.

يضيف بواليا: "قلت للمدرب، أعتقد أنه من الأفضل أن نربط بين الفريقين القديم والجديد … نحن هنا ليس من قبيل الصدفة … أحلامهم لا زالت أحلامنا"، في إشارة إلى الرغبة بالفوز باللقب القاري.

أما المدرب رينار يقول: "عندما بدأنا الاستعدادات للعرس القاري كان ذلك يبدو بعيد المنال. لكن عندما ينجح المنتخب الرديف في بلوغ نهائي عام 1994 فإن ذلك يعني أن كرة القدم مسألة معنويات وحالة نفسية. ينبغي علينا أن نستغل هذه الأمور، لأن اللاعبين أبدوا تصميمهم على إحراز اللقب من أجل ضحايا 1993".


زار اللاعبون الشاطئ وغمرت أقدامهم المياه ذاتها التي غرق بها زملاؤهم في 1993، وألقوا الزهور في الأمواج وردّدوا أهزوجة محلية.

لم يركز حديث رينار مع الفريق قبل المباراة على نجوم ساحل العاج ديدييه دروغبا أو يايا توريه أو نجم آخر، بل كان حديثه يركز حول ما شعروا به على الشاطئ.

"فكّروا في جميع اللاعبين وجميع من كانوا على متن الطائرة وضحّوا بحياتهم من أجل وطنكم"، يقول رينار.


رئيس اتحاد زامبيا لكرة القدم كالوشا بواليا يرفع كأس أمم أفريقيا في ليبرفيل في الغابون
كانت "الثالثة ثابتة"، كما يقول المثل الشعبي، فأحرزت "الرصاصات النحاسية اللقب الأول متجاوزين "الأفيال" بركلات الترجيح، بعد الاكتفاء بالمركز الثاني في نسختي 1974 و1994.

يقول موامبا لبي بي سي: "يمكن القول إن أرواح أبطال زامبيا الراحلين ألهمت خلفائهم الشباب لتحقيق النصر، لا سيما بعد أن أهدر دروغبا ركلة جزاء لمنتخب ساحل العاج في الوقت الأصلي".

التقط قائد المنتخب كريستوفر كاتونغو الكأس، وأعطاها لكالوشا بواليا الذي لوح بها في ليبرفيل.
 

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك