*
الجمعة: 16 يناير 2026
  • 16 يناير 2026
  • 18:46
الأردن عابر للتحديات
الكاتب: د.حاكم المحاميد

يمرّ الأردن في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخه السياسي بواحدة من تلك اللحظات التي تختبر صلابة الدولة وقدرتها على إدارة التوازنات الداخلية والخارجية في آنٍ واحد. فقد جاء القرار الأميركي الأخير المتعلق بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين – ومن ضمنها الجماعة في الأردن – كمنظمة إرهابية، ليعيد فتح ملفٍ شائك، كانت الدولة الأردنية قد حسمته قانونيًا وسياديًا منذ سنوات.
من المهم التأكيد، منذ البداية، أن القرار الأميركي لا يغيّر من الواقع القانوني في الأردن شيئًا. فالجماعة محظورة رسميًا داخل المملكة منذ قرابة عامين، وقد صدر قرار قضائي قطعي بحلّها، تلاه اتخاذ إجراءات حكومية شملت مصادرة ممتلكاتها وإغلاق مقارّها، واعتبار أي نشاط باسمها أو تحت مظلتها مخالفًا للقانون. وبذلك، فإن الدولة الأردنية تعاملت مع هذا الملف بمنطق الدولة، لا بردّات فعل، ولا استجابة لضغوط خارجية.
الأردن، كعادته، لا ينتظر قرارات الآخرين ليحمي أمنه واستقراره. فهو دولة مؤسسات، وقراراته السيادية تُبنى على قراءة دقيقة لمصالحه الوطنية، وعلى تقدير واعٍ لتعقيدات المشهد الإقليمي. وما يحدث اليوم يؤكد أن ما اتخذته الدولة سابقًا لم يكن إجراءً عابرًا، بل خطوة محسوبة في إطار حماية السلم المجتمعي ومنع تسييس الدين أو استغلاله في صراعات داخلية.
في المقابل، فإن المرحلة الراهنة تتطلب خطابًا هادئًا ومسؤولًا، بعيدًا عن المبالغة أو الاستثمار السياسي في القرار الأميركي. فالقضية ليست في “من أصدر القرار”، بل في كيف نحافظ على تماسك الداخل الأردني، ونمنع أي محاولة لجرّ الشارع إلى استقطابات أو انقسامات لا تخدم أحدًا.
لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، أنه أقوى من العواصف. مرّ بأزمات إقليمية أشدّ قسوة، وحروب على حدوده، وضغوط اقتصادية وسياسية، وخرج منها أكثر تماسكًا. والسبب في ذلك يعود إلى وعي الأردنيين، وثقتهم بدولتهم، وإيمانهم بأن الخلاف لا يعني الفوضى، وأن الاختلاف لا يبرر العبث بالأمن.
وفي قلب هذه المعادلة، يبرز الدور المحوري لجلالة الملك عبد الله الثاني، الذي راكم خبرة سياسية ودبلوماسية جعلت من الأردن رقمًا صعبًا في السياسة الإقليمية والدولية. فخطاب جلالته، القائم على الحكمة والاتزان، كان دائمًا قادرًا على إعادة إنتاج الحالة الأردنية المتوازنة، دون انجرار إلى محاور، ودون التفريط بالثوابت.
اليوم، يحتاج الأردن إلى تماسك داخلي صلب، وإلى ثقة متبادلة بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع ومؤسساته الأمنية التي أسهمت في تطويع التحديات والتقليل من آثار العواصف التي تعصف بالمنطقة بوعي فاق المتوقع وهذا يحسب لها، وإلى إدراك جماعي بأن حماية الاستقرار مسؤولية وطنية مشتركة. فالقرارات الخارجية ستتغير، والسياسات الدولية ستتقلب، لكن الأردن سيبقى قويًا بقيادته و بوحدته، وبوعيه، وبقدرته الدائمة على عبور الأزمات بهدوء وثبات.

مواضيع قد تعجبك