*
الجمعة: 16 يناير 2026
  • 16 يناير 2026
  • 18:43
حين اشترت المدينة نظافتها  مدينة تنظف بالفكرة لا بالمكانس
الكاتب: الدكتور زيد أحمد المحيسن

هذه القصة ليست مجازًا أدبيًا ولا ضربًا من الخيال الإداري، بل تجربة حقيقية وقعت في إحدى مدن قارة أمريكا الجنوبية، مدينةٍ كانت تعاني ما تعانيه مدن كثيرة في عالمنا: تراكم القمامة، تراجع الذوق العام، واستنزاف الميزانيات دون أثر يُذكر.
عندما تسلّم رئيس البلدية الجديد مهامه، وجد مدينة متعبة، لا تشكو قلة الموارد بقدر ما تشكو فقر الحلول. شوارعها مثقلة بالنفايات، وأحياؤها فقدت ملامحها، وسكانها اعتادوا المشهد حتى كادوا يتعايشون معه. لم يتعجل الرجل القرارات، بل بدأ بما لا يراه كثيرون جزءًا من الحل: الدراسة الهادئة. جلس أمام الأرقام، فتجلّت له الحقيقة بوضوح؛ كلفة النظافة التقليدية مرتفعة لأنها تمر بسلسلة طويلة من الإنفاق: عمال ورواتب وملابس، حاويات، شاحنات ضخمة وكابسات وطاحنات، وقود وصيانة وسائقون، ثم كلفة التخلص النهائي من النفايات. كل ذلك يستهلك المال، بينما تبقى المشكلة على حالها.
هنا أدرك رئيس البلدية أن الخلل ليس في الجهد، بل في منطق الإدارة ذاته. فطرح سؤالًا بسيطًا في صياغته، عميقًا في أثره: لماذا تتحمل البلدية وحدها عبء جمع النفايات، بينما يمكن تحويل المواطن من جزء من المشكلة إلى جزء من الحل؟ ومن هذا السؤال وُلدت فكرة بدت غريبة في ظاهرها، لكنها كانت بالغة الذكاء في جوهرها: شراء النفايات من المواطنين.
قُسّمت المدينة إلى مناطق، ونُصبت موازين في نقاط محددة، وأُعلن رسميًا أن البلدية ستدفع مقابل ما يُجمع من نفايات. لم تكن حملة دعائية صاخبة، بل قرارًا واضحًا وبسيطًا. وما هي إلا أيام حتى تغيّر السلوك العام؛ المواطن الذي كان يتجاهل القمامة صار يجمعها، والطفل الذي كان يرميها صار يبحث عنها، والحي الذي اعتاد الفوضى بدأ ينظّم نفسه بنفسه. انتقلت النفايات من الأزقة والحارات إلى نقاط التجميع بوسائل نقل خاصة بالمواطنين، سياراتهم وعرباتهم، دون أن تتحمل البلدية كلفة الجمع أو النقل.
بهذه الخطوة وحدها، تحققت معادلة غير مسبوقة: نظافة متزايدة، وتكلفة متناقصة. ثم اكتملت الصورة حين فُتح الباب أمام الشركات للاستثمار في قطاع النظافة. حضرت الشركات، وفرزت النفايات، وأُعيد تدوير الكرتون والحديد والبلاستيك، بينما تحوّلت المخلفات العضوية إلى سماد يعيد للأرض خصوبتها بدل أن يتحول إلى عبء بيئي.
وفّرت البلدية أموالًا طائلة كانت تُهدر في الحلول التقليدية، واستثمرت ما تم توفيره في تحسين البنية التحتية، وتطوير الخدمات، واستعادة جمال المدينة. وخلال سنوات قليلة، تحولت تلك المدينة في أمريكا الجنوبية إلى واحدة من أنظف وأجمل المدن في محيطها، تُذكر تجربتها اليوم نموذجًا حيًا في الإدارة الحديثة.
لم تكن هذه التجربة درسًا في النظافة وحدها، بل درسًا عميقًا في فلسفة القيادة ومعنى الإدارة الرشيدة. فقد أثبتت أن المشكلات الكبرى لا تُحل دائمًا بتضخيم الأدوات ولا بتكديس الميزانيات، بل بإعادة تعريف المشكلة نفسها، والنظر إليها من زاوية مختلفة. وحين يُحسن القائد قراءة الواقع، ويثق بعقل المجتمع، تتحول الجماهير من عبء إلى طاقة، ومن متلقّي خدمة إلى شريك في صنعها.
وتُعلّمنا هذه القصة الواقعية أن المال، مهما كثر، لا يصنع النجاح إذا غاب الفكر، وأن الفكرة الذكية قد تفعل ما تعجز عنه أكثر الخطط كلفة. كما تؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، حين يُمنح دورًا ومسؤولية وقيمة. فهناك، عند هذا المفصل الدقيق، تنتقل المدن من إدارة الأزمات إلى صناعة الحلول، ومن إنفاق الموارد إلى استثمارها، ومن العشوائية إلى الحضارة.
وهكذا، لم تشترِ تلك المدينة نظافتها فحسب، بل اشترت وعيًا جديدًا، ورسّخت حقيقة خالدة: أن الرجل المناسب في المكان المناسب لا يدير مدينة فقط، بل يعيد تعريف الممكن، ويحوّل أبسط الأشياء—حتى القمامة—إلى بداية قصة نجاح تدرس

مواضيع قد تعجبك