*
الجمعة: 16 يناير 2026
  • 16 يناير 2026
  • 00:35
هل يعالج الأطباء الأسباب الجذرية للأمراض أم يكتفون بعلاج الأعراض

خبرني - لطالما تردد في النقاشات العامة ومنشورات وسائل التواصل الاجتماعي وبعض دوائر ما يسمى بـ"الطب البديل" اتهام شائع مفاده أن الأطباء لا يعالجون الأسباب الجذرية للأمراض، بل يكتفون بقمع الأعراض.

تبدو هذه الفكرة جذابة وبسيطة، وتعكس في جزء منها إحباط المرضى، خاصة مع الأمراض المزمنة. لكن هل هي صحيحة؟ للإجابة بجدية لا بد من تجاوز الشعارات وطرح سؤال أكثر دقة: ما المقصود بالأسباب الجذرية في الطب؟ وكيف تعمل الممارسة الطبية الحديثة فعلياً؟

ثنائية مضللة
الزعم بأن الطب مضطر للاختيار بين علاج الأعراض أو علاج الأسباب يطرح ثنائية زائفة. ففي الواقع، الطب السريري يعمل على مستويات عدة في آن واحد: تخفيف المعاناة ومنع المضاعفات وعكس الآليات المرضية متى أمكن وتعديل عوامل الخطر على المدى الطويل.

علاج الأعراض ليس فشلاً أخلاقياً ولا اختصاراً فكرياً، فتسكين الألم وخفض الحرارة والسيطرة على الأعراض قد تكون في كثير من الأحيان تدخلات منقذة للحياة، والصدمة ونوبات الربو والالتهابات الشديدة والحماض الكيتوني السكري وفشل القلب لا تسمح بترف النقاش الفلسفي حول "السبب الرئيس للمرض"، بل الأولوية دائماً للاستقرار العاجل، لكن الطب لا يتوقف عند هذا الحد.

متى يعالج الطب السبب مباشرة؟
في حالات كثيرة يستهدف الطب الحديث أسباب المرض بدقة عالية:

 الالتهابات البكتيرية تعالج بالمضادات الحيوية التي تقضي على العامل المسبب.
 الأمراض الهرمونية مثل قصور الغدة الدرقية تعالج بتعويض الهرمون الناقص.
 نقص الفيتامينات يصحح بإعادة تزويد الجسم بالعناصر المفقودة.
 الأمراض المناعية الذاتية تعالج عبر تعديل آليات الجهاز المناعي المسؤولة عن إحداث الضرر.
 السرطانات تعالج باستهداف الخلايا الورمية بالجراحة أو العلاج الكيميائي أو الإشعاعي أو المناعي أو العلاجات الموجهة.

ووصف هذه التدخلات بأنها "علاج للأعراض فقط" وصف غير دقيق؛ فهي تتدخل في صميم البيولوجيا، لا في مظاهرها السطحية.

الأمراض المزمنة: منبع الالتباس
يتصاعد هذا الاتهام عندما يتعلق الأمر بالأمراض المزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم والسمنة وأمراض القلب والأوعية واضطرابات المناعة الذاتية، والعديد من الاضطرابات النفسية.

هنا يقول المنتقدون إن الأطباء يصفون أدوية مدى الحياة دون معالجة "سبب المرض"، لكن هذا النقد يتجاهل حقيقة أساسية: كثير من الأمراض المزمنة ليس لها سبب واحد بسيط يمكن استئصاله. فهي تنشأ من تفاعل معقد بين:

 العوامل الوراثية.
 التعرضات المبكرة في الحياة.
أنماط العيش.
الظروف الاجتماعية والاقتصادية.
التقدم في العمر.
العوامل البيئية.
في مثل هذه الحالات لا يتجاهل الطب الأسباب، بل يتعامل مع عمليات غير قابلة للعكس كلياً أو جزئياً، فخفض ضغط الدم لا يشفي ارتفاع الضغط، لكنه يمنع السكتات الدماغية والفشل الكلوي والوفاة المبكرة، وضبط سكر الدم لا يمحو السكري، لكنه يحمي البصر والقلب والأعصاب وحياة الإنسان، هذا ليس طبّاً سطحياً، بل هو طب عملي قائم على الدليل العلمي.

الأطباء يعالجون الأسباب ضمن حدود الواقع
لا يمارس الطب في فراغ نظري ولا في عالم مثالي تختزل فيه الأمراض في سبب واحد يمكن استئصاله بسهولة، فالسبب المرضي ليس دائماً واضحاً، ولا قابلاً للإزالة، ولا يقع كله ضمن سلطة الطبيب أو أدواته.

لذلك، فإن السؤال الجاد لا يتعلق بما إذا كان الأطباء يعالجون الأسباب أم لا، بل بمدى قابلية هذه الأسباب للتدخل الطبي ضمن شروط الواقع البيولوجي والاجتماعي والإنساني.

ثمّة أمراض ما تزال إلى اليوم تستعصي على الطب، إما لأن آلياتها المرضية لم تفهم بعد فهماً كاملاً، أو لأن فهمها العلمي لم يترجم بعد إلى علاج فعال.

وهذا لا يعكس فشلاً للطب بقدر ما يعكس حدود المعرفة في لحظة تاريخية معينة، فالطب ليس منظومة مكتملة، بل هو علم في تطور دائم، تتسع فيه دائرة الفهم وتتبدل فيه إمكانات العلاج مع تقدم البحث العلمي وضمن هذه الحدود، يعالج الأطباء الأسباب من خلال:

 تعديل عوامل الخطر (الإقلاع عن التدخين، ضبط الوزن، التحكم في ضغط الدم).
الطب الوقائي (التلقيح، الفحوصات الاستباقية، الكشف المبكر).
الإرشادات الخاصة بنمط الحياة (التغذية، النشاط البدني، النوم).
تدخلات الصحة العامة (الصرف الصحي، سلامة الغذاء، مكافحة الأمراض المعدية)
العائق ليس الجهل، بل قابلية التطبيق والتزام المرضى وضيق الوقت والبنى الاجتماعية التي لا يستطيع الطب وحده إصلاحها.

يمكن للطبيب أن يشرح دور الغذاء فائق التصنيع أو التوتر أو قلة الحركة، لكنه لا يستطيع إعادة تصميم المدن أو توزيع الدخل أو أنظمة الغذاء.
الوهم الرومانسي لـ"طب الأسباب الجذرية"

الوعد بأن كل مرض له سبب خفي واحد، وإذا أزيل عاد الجسد إلى صحة مثالية وعد جذاب، لكنه في الغالب أسطوري، فهو يختزل البيولوجيا في قصة تحقيق لها نهاية أنيقة، بينما الفيزيولوجيا البشرية أعقد بكثير.

والمفارقة أن من يتهمون الأطباء بعلاج الأعراض فقط غالباً ما يقدمون تفسيرات:

غامضة (سموم، التهاب، اختلال)
غير قابلة للاختبار العلمي.
غير مدعومة بنتائج سريرية حقيقية.
قد يبدو علاج سبب مفترض أكثر "سمواً فكرياً"، لكن الطب يحاكم بالنتائج لا بالسرديات، والمشكلة الحقيقية ليست الأطباء، بل التوقعات. إن التوتر القائم لا يعود إلى الممارسة الطبية بقدر ما يعود إلى توقعات الجمهور.

فالمرضى يريدون يقيناً وشفاءً وتفسيرات بسيطة، بينما يقدم الطب احتمالات وتقليلاً للمخاطر وسيطرة غير كاملة، فعندما يعالج الأطباء الأعراض فلأن المعاناة مهمة، وعندما تكون الأسباب محددة وقابلة للتعديل فهم يعالجونها أيضاً، وحين يتعذر الأمران يهدفون إلى منع التدهور، وهذا ليس فشلاً للطب، بل استجابة صادقة لتعقيد البيولوجيا.

ختاماً، الأطباء لا يختارون بين علاج الأعراض وعلاج الأسباب، إنهم يفعلون الأمرين معاً باستمرار، وغالباً في الوقت نفسه. والنقاش الحقيقي لا ينبغي أن يكون اتهامياً، بل واقعياً: ما الذي يمكن للطب تغييره؟ وما الذي يمكنه إدارته؟ وما الذي يتجاوز حدود العيادة؟ إن الحوار الصحي الناضج يبدأ عندما نتوقف عن مطالبة الطب بالمعجزات، ونبدأ في فهمه كما هو بالفعل.

مواضيع قد تعجبك