*
الاربعاء: 14 يناير 2026
  • 14 يناير 2026
  • 14:53
المهندسين تعديلات التقاعد المرتقبة ستراعي العدالة

خبرني - يقف صندوق تقاعد المهندسين اليوم عند لحظة مفصلية، تتقاطع فيها أعباء الماضي مع استحقاقات الحاضر، وتُطرح خلالها أسئلة جوهرية حول مستقبل نظام شكّل لعقود أحد أهم أعمدة الأمان الاجتماعي للمهندسين. فالتحدي الذي يواجهه الصندوق لم ينشأ فجأة، بل تَشكّل عبر مسار طويل من السياسات والقرارات المتراكمة، خلّفت خللًا ماليًا واكتواريًا بات يتطلب معالجات عميقة تتجاوز الحلول المؤقتة.

وبحسب بيان صادر عن نقابة المهندسين الأردنيين، تشير التقديرات الحالية إلى فجوة تمويلية تقارب 1.6 مليار دينار، في وقت تبلغ فيه الالتزامات الفورية حتى نهاية عام 2025 نحو 84 مليون دينار، معظمها رواتب تقاعدية مستحقة غير مصروفة. كما تصل فاتورة الرواتب التقاعدية السنوية إلى قرابة 65 مليون دينار، بعجز سنوي يناهز 30 مليون دينار، ما يعكس حجم الضغط المالي الذي يواجهه الصندوق.

هذه الأرقام ليست وليدة اللحظة، بل هي حصيلة تراكمات بدأت منذ تأسيس الصندوق عام 1973. وخلال مسيرته، مر النظام بمحطات تشريعية وإدارية متعددة أثّرت في توازنه الاكتواري، من بينها إقرار زيادات على الرواتب التقاعدية دون تعديل موازٍ في هيكل الاشتراكات، وإلغاء إلزامية الاشتراك في فترات معينة، فضلًا عن تحقيق عوائد استثمارية جاءت دون الفرضيات المعتمدة في الدراسات الاكتوارية، الأمر الذي عمّق الخلل البنيوي تدريجيًا.

وتُظهر البيانات المالية أن الصندوق بلغ أولى نقاط التعادل في عام 2013، قبل أن يتجاوز نقطة التعادل الثانية في عام 2014، حين لم تعد إيرادات الاشتراكات والاستثمار كافية لتغطية الالتزامات، ما استدعى السحب من أرباح المحفظة الاستثمارية. ومع حلول عام 2017، دخل الصندوق مرحلة أكثر حساسية، بعدما عجزت الإيرادات المتاحة عن تغطية الرواتب التقاعدية، ليُصار إلى بيع الأصول لسداد الالتزامات.

أمام هذا الواقع، بدأ المجلس الحالي لنقابة المهندسين بإدارة هذا الإرث المعقّد عبر حزمة إجراءات هدفت بالدرجة الأولى إلى احتواء المخاطر الفورية وحماية ما تبقى من أصول الصندوق. وشملت هذه الإجراءات الفصل المالي والإداري بين الصناديق، ووقف توليد الذمم المالية، وتعليق الاقتراض البنكي لصرف الرواتب التقاعدية، وتجميد بيع الأصول في غياب استراتيجية طويلة الأمد، إضافة إلى التخارج من استثمارات ثبت عدم ملاءمتها، وإعادة توجيه المحفظة الاستثمارية استنادًا إلى دراسات فنية متخصصة.

وبالتوازي مع المعالجات الآنية، اتجهت النقابة إلى المسار المؤسسي والعلمي، من خلال التعاقد مع مؤسسة الضمان الاجتماعي لإعداد الدراسة الاكتوارية العاشرة، والمتوقع إنجازها في النصف الأول من عام 2026. كما كُلّفت الإدارة التنفيذية بإعداد دراسة شاملة لواقع الصندوق منذ تأسيسه، بهدف تشخيص الفجوة التمويلية واقتراح بدائل وحلول عملية، إلى جانب تسريع مشاريع التحول الرقمي ورفع كفاءة الإدارة.

وفي إطار توسيع دائرة التشاور، شُكّلت لجنة توجيهية موسعة ضمت 74 عضوًا، عملت عبر فرق متخصصة أنجزت إعداد خمسة سيناريوهات اكتوارية يجري بحثها حاليًا، على أن تشكل نتائج الدراسة الاكتوارية العاشرة المرجعية الأساسية لأي قرارات تنفيذية لاحقة.

ويؤكد مجلس النقابة أن أي إصلاحات مرتقبة ستراعي العدالة بين مختلف الفئات ذات العلاقة بالصندوق، بما يشمل المتقاعدين والمشتركين الحاليين والمهندسين حديثي التخرج، مع التشديد على عدم تحميل كلفة الإصلاح للمهندسين الشباب أو تقليص فرصهم المستقبلية، وضمان حماية الحقوق المكتسبة واستدامة النظام للأجيال القادمة.

ويرى خبراء أن الإجراءات المتخذة أسهمت في تقليص المخاطر الآنية وكسب الوقت، لكنها لا تمثل حلًا نهائيًا للاختلال البنيوي المتراكم، ما يجعل المرحلة المقبلة مرهونة بحزمة إصلاحات تشريعية ومالية وفنية متكاملة، تعيد التوازن للنظام، وتضع صندوق التقاعد على مسار استدامة حقيقية بعد سنوات من التحديات.

مواضيع قد تعجبك