وجد محمد السادس نفسه معزولاً سياسياً، فاقداً للدعم الشعبي، ومع نجاح الحركة الكمالية في طرد القوات الأجنبية من أجزاء واسعة من الأناضول، باتت السلطنة في نظر القوميين عبئاً تاريخياً ورمزاً لمرحلة يسعون إلى طي صفحتها.

وتباينت تقييمات المؤرخين لشخصية محمد السادس ودوره في تلك المرحلة، فبينما يرى بعضهم أنه حاكم ضعيف افتقر إلى الحزم والرؤية، وأسهمت سياساته في تسريع انهيار الدولة، يذهب آخرون إلى اعتباره أسير ظروف دولية قاهرة، بقدرة محدودة على المناورة، وأن تحميله مسؤولية السقوط يتجاهل عقوداً طويلة من التدهور سبقته. ووفق هذا الرأي، حاول السلطان الحفاظ على ما تبقى من كيان الدولة عبر سياسة تقوم على التفاهم مع القوى المنتصرة، انطلاقاً من قناعته بأن المواجهة العسكرية لم تعد خياراً ممكناً، وأن إنقاذ العاصمة والعرش يتطلب مرونة سياسية وتنازلات مؤلمة.

ولا يزال الجدل حول محمد السادس قائماً في الكتابات التاريخية. ففي تركيا الحديثة، سادت لعقود رواية رسمية انتقدته بشدة وحملته مسؤولية الانهيار، في مقابل تمجيد مصطفى كمال بوصفه مؤسس الدولة الجمهورية. غير أن دراسات أحدث بدأت تميل إلى قراءة أكثر توازناً، تنظر إلى محمد السادس بوصفه نتاجاً لمرحلة تاريخية معقدة، لا مجرد فاعل فردي يحمل وحده تبعات سقوط إمبراطورية مترهلة.

وفي المحصلة، يمثل محمد السادس نهاية عصر الإمبراطوريات التقليدية، وبداية مرحلة جديدة اتسمت بصعود الدولة القومية والعلمانية في تركيا. وسواء جرى النظر إليه بوصفه حاكماً ضعيفاً أو رجلاً مأزوماً حاول النجاة بما يمكن إنقاذه، فإن موقعه في التاريخ يبقى مرتبطاً بلحظة مفصلية غيرت وجه المنطقة والعالم الإسلامي بأسره.

وفي هذا السياق، يبدو أن الصراع الرمزي بين محمد السادس ومصطفى كمال لم يحسم نهائياً، إذ لا يقتصر على خلاف شخصي أو سياسي، بل يعكس صداماً بين رؤيتين لمستقبل الدولة: الأولى ترى في السلطنة نظاماً تاريخياً يمكن إصلاحه واستعادة دوره، والثانية تعتبر القطيعة مع الماضي شرطاً لبناء دولة حديثة. وبعد أكثر من قرن، لا يزال هذا الإرث موضع جدل في الذاكرة السياسية والتاريخية التركية.