خبرني - جسّدت مديرة المدرسة الابتدائية الأولى بمركز ميقوع في منطقة الجوف بالسعودية، نجلاء الدقدوقي، الإيثار والمسؤولية المهنية. عدلت عن قرار نقلها الخارجي إلى مقر سكنها في سكاكا، مفضّلة البقاء لدعم طالبة كفيفة في بدايات مسيرتها التعليمية. على مدى تسع سنوات، قطعت الدقدوقي مسافة يومية تقارب 300 كيلومتر ذهابًا وإيابًا. غادرت سكاكا قبل الفجر متجهة إلى ميقوع، الذي يبعد 150 كيلومترًا، وعادت مع غروب الشمس، في رحلة شاقة كانت تأمل أن تنتهي بقرار نقل يقربها من أسرتها.
تزامن صدور قرار النقل مع دمج الطالبة الكفيفة مُزن الشراري في الصف الثالث الابتدائي. لاحظت المديرة خوف الطالبة وارتباكها في أيامها الدراسية الأولى، وما تحتاجه من استقرار ودعم نفسي وتربوي، مما وضعها أمام مفترق طرق.
وتحوّل القرار إلى التزام إنساني. بادرت الدقدوقي إلى تعلّم لغة برايل، مستندة إلى تخصصها في تنمية الحواس لدى الأطفال. بالتعاون مع والدة الطالبة، بحثت عن أساليب تعليمية تعزّز قدرات الطالبة الكفيفة وتدعم اندماجها مع زميلاتها.
نموّ وثقة واعتماد على النفس
ومع مرور الوقت، بدأت ملامح التميّز تظهر على الطالبة، التي أصبحت أكثر اعتمادًا على نفسها، وأقدر على التفاعل والتعلّم، ما عزّز قناعة المديرة بصواب قرارها، ودفعها إلى رفض النقل رغم اكتمال إجراءاته الرسمية.
قالت نجلاء الدقدوقي في حديث خاص لـ«العربية.نت»: "شعرت أن القرار لا يُقاس بما يناسبني، بل بما سيحدث في قلب طفلة فقدت بصرها ولم تفقد ثقتها بمن حولها. أدركت أن مغادرتي قد تعني لها فقدان الأمان، فاخترت البقاء، لأن بعض القرارات تُتخذ بالقلب قبل العقل". لم يكن قرارها مبنيًا على المصلحة الشخصية.
وأضافت أن مشقة الطريق لم تكن عائقًا، قائلة: كل طريق كنت أقطعه كان مليئًا بالتعب، لكنه ممتلئ بالمعنى. ما دامت في نهاية الطريق ابتسامة طفلة تنتظر من يمسك بيدها، فكل المسافات تهون.
"برايل علّمني أن أرى بالقلب"
وأكدت أن تعلّم لغة برايل كان تجربة إنسانية عميقة، مشيرة إلى أن "برايل لم يعلّمني القراءة بالنقاط فقط، بل علّمني كيف أرى بالقلب، وجعلني أكثر إيمانًا بأن العجز الحقيقي هو أن نعجز عن الاحتواء".
واستعادت موقفًا مؤثرًا جمعها بالطالبة، قائلة: "قالت لي يومًا: يا أستاذة، أنتِ قلتِ لي إن لي قصرًا في الجنة، وأنا بحجز لك غرفة في قصري"، مؤكدة أن تلك الكلمات جعلت كل التعب والقرارات الصعبة ذات قيمة ومعنى.
دعم أسري ومؤسسي
وبيّنت الدقدوقي أن مبادرتها حظيت بدعم أسرة الطالبة وتقدير المجتمع المحلي، إلى جانب مساندة الجهات التعليمية، ممثلة في إدارة تعليم الجوف، ما شكّل حافزًا إضافيًا للاستمرار.
وفي ختام حديثها، وجّهت رسالة إلى المعلمين والمعلمات، قالت فيها: "قد لا يتذكر الطلاب الدروس، لكنهم سيتذكرون دائمًا كيف شعروا مع معلميهم. المسؤولية التربوية أن نكون أمانًا وأملًا في حياة طلابنا".
إشادة رسمية بالمبادرة
وفي السياق ذاته، استقبل أمير منطقة الجوف الأمير فيصل بن نواف بن عبدالعزيز، مديرة المدرسة، بحضور المدير العام للتعليم بالجوف محمد القحطاني، واطّلع على تفاصيل مبادرتها الإنسانية، وأشاد الأمير فيصل بما قدمته من نموذج تربوي وإنساني يجسد قيم العطاء والمسؤولية، ويعكس ما يتميز به أبناء وبنات منطقة الجوف من مبادرات نوعية، تسهم في خدمة المجتمع وتعزيز التنمية.




