*
الاحد: 08 آذار 2026
  • 03 يناير 2026
  • 20:52
سامحنا يا رب لم نكن نعلم
الكاتب: المحامي عبد الكريم الكيلاني

((كان ثمة نمط في هذا السيرك فبينما كان السنتور يلقي كلمته، كان مساعدوه يلقون بمجموعات من الطيور الورقية في الهواء، فتدّب الحياة في هذه المخلوقات الاصطناعية، وتحلّق حول المنصة.. كان رجال آخرون يفرغون بعض جذوع الأشجار من الشاحنات، ويغرسونها في تربة نترات البوتاسيوم وراء الجموع الحاشدة، وكانوا قد أقاموا واجهة كرتونية من بيوت خيالية من الآجر الأحمر ذات نوافذ زجاجية، وأخفوا وراءها الأكواخ الحقيقية البائسة ))
‎هل الصورة الحقيقية للدولة كما نراها؟ 
‎هل المؤسسات راسخة في الأرض، أم أنها مجرد "طيور ورقية" تحلق  في لحظة احتفالية لتخدع عيوننا؟ هل المنظومة تعمل بشكل جيد حقاً، أم أن ما نراه غطاء تجميلي لمؤسسات كثيرة نخرها الفساد، فباتت كواجهات الكرتون التي تبهر الناظرين من بعيد، وتخفي خلفها عجزاً وبؤساً لا تدركه الأبصار إلا حين تقع 
‎المصيبة؟
‎استعرت  النص أعلاه  من أدبيات "الواقعية السحرية" للتعبير عن سؤال كبير أصبح يقرع رؤوسنا بحدة: هل نحن على شفا هاوية؟ وهل السوءة التي كشفتها حبات المطر هي النموذج الحقيقي لما نحن عليه، بعيداً عن صخب المهرجانات ووعود "الآجر الأحمر" التي تبني لنا قصوراً من أوهام؟
‎طوال شهر مضى، تلقى فيه الأردنيون صدمات متتالية تمس منظومة الأمان  في الصميم. صدمات لم تترك ركناً إلا وهزّته من وادي عبدون وحتى عراق الكرك ، لتكشف أننا نعيش في "سيرك" كبير، حيث "السنتور" يواصل خطابه المليء بالإنجازات، بينما الواقع ينزف خلف الستارة المتهالكة.
‎سامحنا يا رب.. لم نكن نعلم! حين تضرعنا ان تسقينا الغيث ، فلم نكن نعلم أن المدافئ التي نشتريها لنحضن الدفء في ليالي الشتاء، ستتحول إلى آلات قتل صامتة تخنق أنفاس العائلات. لم نكن نعلم أن جدران قلاعنا التاريخية، التي صمدت  لقرون، أصبحت واهنة وآيلة للسقوط أمام بضع حبات من المطر لأن يد الإهمال كانت أسرع إليها من يد الترميم.
‎ولم نكن نعلم أن الأرض ستضيق حتى براعي الحلال ..أن يلجأ راعٍ بحملانه إلى "حضن الجبل"  ، هرباً من قسوة الجو، فيخونه الجبل هذه المرة وقد ظنه ملاذاً. لم نكن نعلم أن الكهف الذي ظل رمزاً للأمان، سينهار   على مئات الحملان التي نفقت تحت ردم الصخور.
‎لا لشيء إلا لأن الحظائر الآمنة ضاقت على الخراف .
‎كشف المطر أن "الكهوف" لم 
‎تعد تحمي، وأن "القلاع" لم تعد تصمد، وأن ما بني  "آجر كرتوني" كان مجرد وهم يداري عورة مؤسسات نخرها الصدأ.
‎لم نكن نعلم يا رب .. فدعوناك بقلوب منكسرة  أن تغيثنا بماء مسكوب ، ظناً منا أن المطر سيطهرنا، فإذا به يزيح القشرة الرقيقة عن واقعنا المرير، ويتركنا وجهاً لوجه أمام "الأكواخ البائسة" التي حاولوا طويلاً إقناعنا بأنها قرو آمنة.
أما وقد علمنا ، فهي سقيا رحمة كشفت مواطن الخلل ، تدعونا للمراجعة و المحاسبة، باصلاح الأمر و إسناده إلى أهله ، الذين يمتثلون قول الخطاب (( و الله لو عثرت شاة في العراق لخشيت ان يسألني الله عنها ))

مواضيع قد تعجبك