خبرني - واصلت سوق السيارات في عام 2025 مسارها المتراجع، في مفارقة لافتة تعكس عمق التحولات التي يشهدها هذا القطاع الحيوي.
وعلى الرغم من الانخفاض العام في مبيعات السيارات الجديدة، برزت السيارات الكهربائية كاستثناء واضح، مؤكدة أنها لم تعد مجرد خيار مستقبلي، بل أصبحت عنصرا أساسيا في مشهد صناعة السيارات وقاطرة حقيقية للتغيير.
فقد شهدت مبيعات السيارات الجديدة تراجعا بنسبة 5% خلال عام واحد، ما يعكس استمرار حالة الركود التي تضرب السوق للعام الثاني على التوالي.
وأرجعت صحيفة ليبراسيون الفرنسية هذا الانخفاض إلى مجموعة من العوامل المتداخلة، أبرزها تراجع القدرة الشرائية للأسر، وارتفاع أسعار السيارات وقطع الغيار، وتشديد شروط الحصول على القروض، إضافة إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي التي لا تزال تلقي بظلالها على الأسواق الأوروبية.
ورغم محاولات بعض المصنعين والقوى السياسية المحافظة والمتطرفة إبطاء مسار التحول نحو السيارات الكهربائية، فإن السوق التقليدية لم تتمكن من استعادة زخمها السابق، في حين واصلت السيارات الكهربائية تسجيل أداء لافتًا.
بحسب البيانات التي جمعتها شركة AAA Data، ارتفعت تسجيلات السيارات الكهربائية بنسبة 12% مقارنة بعام 2024، رغم بداية عام صعبة تأثرت بتقليص الدعم الحكومي والمساعدات المالية المخصصة لاقتناء هذا النوع من المركبات.
هذا النمو يعكس تحولًا عميقًا في سلوك المستهلكين، الذين أصبحوا أكثر إدراكًا لتكاليف التشغيل المرتفعة للسيارات التقليدية، وللمزايا الاقتصادية والبيئية التي توفرها السيارات عديمة الانبعاثات.
وقد بلغت الحصة السوقية للسيارات الكهربائية نحو 20% من إجمالي مبيعات السيارات الجديدة، بزيادة قدرها ثلاث نقاط مئوية خلال عام واحد فقط، وهو رقم يُعد مؤشرًا قويًا على أن التحول نحو الكهرباء لم يعد هامشيًا، بل أصبح خيارًا رئيسيًا لشريحة متزايدة من المشترين، رغم استمرار المخاوف المرتبطة بسعر الشراء والبنية التحتية للشحن.
تأتي هذه النتائج في سياق سياسي متوتر، حيث شهد شهر ديسمبر محاولات متكررة لعرقلة أهداف كهربة أسطول السيارات، سواء من جانب بعض المصنعين أو أطراف سياسية أوروبية.
وتشير صحيفة ليبراسيون إلى أن هذه الأرقام تكشف فجوة متزايدة بين الخطاب السياسي ومسار السوق الفعلي، إذ يبدو أن العوامل البنيوية، مثل التشريعات البيئية، وتطور التكنولوجيا، وارتفاع أسعار الوقود، تدفع المستهلكين نحو السيارات الكهربائية بغض النظر عن التقلبات الظرفية.
وعلى مستوى الشركات الكبرى، أظهرت نتائج عام 2025 تفاوتًا واضحًا في الأداء. فمن بين أكبر 15 مجموعة وعلامة تجارية، لم تتمكن سوى شركتين فقط، هما رينو وBMW، من إنهاء العام بنتائج إيجابية. وقد استفادت الشركتان من استراتيجيات قائمة على تنويع الطرازات الكهربائية والهجينة، واعتماد سياسات تسعير أكثر مرونة، إضافة إلى حضور قوي في السوق الأوروبية.
في المقابل، سجلت شركة تسلا تراجعًا حادًا، في ظل اشتداد المنافسة وضغط الأسعار وتباطؤ الطلب في بعض الأسواق، ما شكّل مفاجأة في قطاع طالما اعتُبرت فيه الشركة رائدة بلا منازع. وقد تجلت هذه التحولات بوضوح خلال معرض مونديال دوتو في باريس، حيث هيمنت الطرازات الكهربائية على أجنحة العرض، في إشارة رمزية إلى الاتجاه الذي تسلكه الصناعة، حتى وإن واجهت مقاومة سياسية أو اقتصادية مؤقتة.
ورغم هذا التقدم، لا تزال السيارات الكهربائية تواجه تحديات حقيقية، من بينها ارتفاع سعر الشراء مقارنة بالسيارات التقليدية، وتفاوت البنية التحتية لمحطات الشحن بين المناطق، إضافة إلى الغموض المتعلق باستمرارية الدعم الحكومي. وأوضحت صحيفة ليبراسيون أن المؤشرات العامة توحي بأن هذه العقبات آخذة في التراجع تدريجيًا، مع تطور التقنيات وزيادة الإنتاج وتحسن الثقة لدى المستهلكين.
ويؤكد عام 2025 أن سوق السيارات يشهد تحولًا عميقًا لا رجعة فيه، فبرغم الركود العام وتراجع المبيعات الإجمالية، تواصل السيارات الكهربائية فرض نفسها كخيار مهيمن في مستقبل النقل. ويبدو أن السنوات المقبلة ستشهد سوقًا أقل حجمًا، لكنها أكثر اعتمادًا على الكهرباء، وأكثر ارتباطًا بمعايير الاستدامة والتكنولوجيا، ما يجعل هذا التحول أحد أبرز ملامح المشهد الصناعي والاقتصادي في العقد المقبل.




