*
الاثنين: 09 فبراير 2026
  • 15 ديسمبر 2025
  • 23:00
مدى معرفة رئيس مجلس النواب الأردني بمهامه الدستورية

خبرني -  د.فلاح العريني 

يا رئيس مجلسنا، القضية ليست إنكارك لوجود قوات أمريكية أو اعترافك بها… فهذه تفاصيل ثانوية أمام الخطأ الأكبر الذي ارتكبته:
أنك تحدثت باسم الحكومة قبل أن تمارس واجبك الرقابي عليها.
أنت لم تُنتخب – إن افترضنا جدلاً أن الاختيار تم فعلاً بإرادة شعبية – لتكون درعاً واقياً للحكومات، ولا لتتقمص دور وزير دولة أو ناطق رسمي.
أنت تجلس على أعلى مقعد في السلطة التشريعية، ومع ذلك تتصرف وكأنك تحت مظلة السلطة التنفيذية لا فوقها رقابةً ومساءلةً.
كيف تسمح لنفسك أن تنفي، وتؤكد، وتبرر، وتشرح… قبل أن تسأل؟
من كلّفك؟
ومن منحك صلاحية الإجابة قبل توجيه السؤال؟
ومن وضعك في موقع الحامي للحكومة بدل الحامي للدستور؟
بهذا السلوك، أنت لم تتجاوز فقط حدود دورك… بل ألغيت دور المجلس كاملاً، وجعلت السلطة التشريعية تبدو وكأنها ملحق إداري تابع للحكومة لا أكثر.
يا رئيس مجلسنا،
الخلاف ليس حول طبيعة الوجود الأجنبي، بل حول غيابك التام عن ممارسة أهم واجبات منصبك.
كان يفترض أن تكون أول من يطلب الحقيقة… لا أول من يدفنها.
وأول من يستجوب… لا أول من يبرئ.
وأول من يطالب بإجابات… لا أول من يوزّعها بالنيابة عن غيره.
إن أخطر ما يحدث اليوم ليس ما فوق الأرض أو تحتها .
بل من فوق الكرسي الذي تجلس عليه، حين يتحول منبر الشعب إلى صدى صوت الحكومة.
يا رئيس مجلسنا،
ما صدر عنك مؤخراً لا يُعدّ تصريحاً سياسياً عابراً، بل مخالفة صريحة لمبدأ الفصل بين السلطات المقرر في الدستور الأردني، وتعدّياً على الاختصاصات المحددة في المواد (24) و (25) و (51–56) من الدستور، والتي تمنح المجلس الحق في المساءلة والمحاسبة لا التبرير والدفاع.
أنت، بحكم موقعك، لست جهة مخوّلة لإصدار بيانات تتعلق بوجود أي قوات أو اتفاقيات عسكرية على أرض الدولة.
هذه صلاحيات تنفيذية بحتة تُمارس من خلال الحكومة ووزارتي الخارجية والدفاع، ومن ثم تُعرض على مجلس النواب للمراقبة والمحاسبة، وليس لتمرير رسائل “طمأنة” نيابة عن السلطة التنفيذية.
تصريحك الأخير يشكّل:
1. تجاوزاً دستورياً
لأنك قدّمت إجابة حكومية قبل أن تمارس سؤالاً رقابياً.
وبذلك خالفت جوهر الدور الرقابي للمجلس المنصوص عليه في المواد (33) و (51) و (53)، والتي تجعل الحكومة مسؤولة أمام المجلس، لا العكس.
2. انحرافاً بوظيفتك عن إرادة المكلّفين
من يمثل الشعب لا يسبقه بالإنكار، ولا يختزل دوره في تبرئة الحكومة قبل فتح أي ملف.
أنت تحوّلت، بقولك، من رئيس سلطة رقابية إلى متحدث غير رسمي للحكومة، وهذا إخلال بمبدأ الوكالة السياسية الذي تقوم عليه شرعية المجلس.
3. تعطيلًا غير مباشر لحق النواب في طلب المعلومات فعندما ينفي الرئيس أمراً قبل مناقشته، فإن ذلك يخلق انطباعاً بالتوجيه، ويضعف قدرة النواب على ممارسة حقهم في السؤال والاستجواب، وهو حق دستوري لا يملك الرئيس مصادرته أو الحد منه.
4. مساساً بهيبة المجلس واعتباره
الدستور لم يمنحك سلطة “إغلاق الملف قبل فتحه”، ولا سلطة “إصدار موقف حكومي”.
وما فعلته يُعدّ، وفق الأعراف البرلمانية، ممارسة غير مشروعة لاختصاصات ليست لك، وإضراراً بصورة مجلس النواب الذي يُفترض أنه الرقيب الأعلى لا “الشريك الدعائي” للحكومة.
يا رئيس مجلسنا،
القضية ليست وجود قوات أجنبية من عدمه…القضية أنك تجاوزت منصبك، وتصرّفت خارج حدود التفويض الذي منحك إيّاه الدستور.
وإذا كان من واجبك أن تحمي المجلس من تهميش السلطة التنفيذية له، فالأجدر بك أن تبدأ بحماية منصبك من ممارساتك أنت.

مواضيع قد تعجبك