خبرني - غدًا، حين تمتلئ مدرجات "الثمامة" بالحناجر والرايات، لن نكون أمام مباراة كرة قدم! سنكون أمام طقس أنثروبولوجي تستدعيه الذاكرة العربية كلما اضطربت الجغرافيا وتعبت السياسة، فالعلاقة بين الأردن والعراق ليست علاقة حدود، بل علاقة دمٍ اختلط، ووجعٍ تشارك، وحلمٍ تشكّل في الظلّ ثم ظهر في الضوء. علاقة تزدحم بتاريخٍ لا ينسى، مهما حاولت الشاشات أن تُغرقه بالضجيج!
على وسائل التواصل يتطاير تنمّر، وسخرية، واستخفاف. موجة تبدو صاخبة لكنها في جوهرها هشة كالرغوة وكغثاء السيل!. فالسخرية، في علم النفس الجمعي، هي خوف متنكر. والتهكم اعتراف غير معلن بقوة الطرف الآخر. وما يواجهه المنتخب الأردني من حملة إلكترونية ليس علامة ضعف، بل دليل على مكانته: النموذج لا يُهاجَم إلا عندما يثير رهبة.
الأردن، في كرة القدم كما في السياسة، يشبه جبلاً يختبر الريح دون أن ينحني. قوته ليست في الصوت بل في السيرة. وهذا ما لا يفهمه البعض: الاستقرار الأردني ليس صدفة، بل ثمرة منظومة أخلاقية هاشمية عمرها عشرات السنين، تعلم أن الانتصار الحقيقي لا يُبنى على الكراهية، بل على الصبر، وعلى الرفعة، وعلى تلك القيمة التي غرسها الهاشميون في الوعي العام: أن تكون قويًا يعني أن ترفض أن تكون نسخة من أعدائك!
التاريخ نفسه يبتسم الآن بحكمة مرة!
لأن البلدين اللذين يتشاجران في التعليقات، هما نفس البلدين اللذين وقف ملكهما الراحل الحسين بن طلال يشهد عنهما بأنهما عمق واحد.
في قمة بغداد عام 1990، حيث اختلطت السياسة بالنار، لم يتردد الأردن في دفع ثمن موقفه. كانت تلك اللحظة تجسيدًا لـ المبدأ الهاشمي الذي لا يساوم: الأخوّة التزام، لا حساب. تحالف المصير، لا بروتوكول.
وظلّ المبدأ ذاته هو مرآة العلاقة. فعندما تعثّر العراق بعد 2003 وتعاظم جرحه، لم تغلق عمّان أبوابها. بل فتحت قلبها. لم تقدّم ملاذًا فقط، بل نسيجًا اجتماعيًا صار فيه العراقي جزءًا من البيت، لا ضيفًا. اختلطت العائلات، وتداخلت الذاكرة، وصار العراقي في الأردن قريبًا لا غريبًا.
كان ذلك استمرارًا لذاك الرصيد الأخلاقي الذي لم تُطفئه حتى مأساة "الرحاب" بكل ما حملته من جراح. فقد اختار الهاشميون آنذاك أن يرتقوا فوق الذاكرة لا أن يغرقوا فيها. اختاروا أن يحولوا الألم إلى حكمة، لا إلى حقد.
ولهذا، حين يغلي العالم العربي بانكساراته، كثيرًا ما ينهض العراق في المحافل العربية سندًا صامتًا للرواية الأردنية الهادئة، وكأنه يسدد دينًا متبادلًا من الوفاء العميق.
هذه ليست سياسة.
هذه أخلاق الذاكرة.
وعلى هذه الخلفية الملحمية، تأتي مباراة الغد.
المنتخب الأردني الذي وصل إلى نهائي آسيا 2023 لم يصل بالصدفة، ولا بالمصادفة، ولا بالثروة. بل وصل لأنه يمثل فلسفة دولة تُتقن البناء التراكمي. فريق يعرف أنه يحمل على كتفيه تاريخًا من القيم، ويقف على أرض الملعب كمن يهمس للعالم:
"هكذا تُبنى الأمم: بالإرادة لا بالمال. بالصبر لا بالعجلة. بالمعنى لا بالضجيج."
غدًا، لن تكون المباراة مجرد مباراة.
ستكون مصالحة مع الذاكرة.
كل تمريرة ستكون جسرًا صغيرًا فوق فجوات سوء الفهم.
كل هدف سيكون تذكيرًا بأن الحياة، مهما اشتدت، تظلّ أقوى من الموت.
كل تصفيقة ستكون اعترافًا بأن الشعوب التي عاشت معًا الألم، تستطيع أن تعيش معًا الفرح.
فاللاعبون سيجرون خلف الكرة.
لكن المباراة الحقيقية ستدور في قلوب الملايين الذين سيشاهدونها.
ستكون مواجهة بين نزعتين:
– نزعة النسيان السهل،
– ونزعة التذكر المؤلم—لكن الشافي.
بين رغبتنا أن نكون قبائل متعصبة، وحاجتنا أن نكون أمة واحدة.
وفي النهاية، حين تنتهي المباراة، وحين ينطفئ الملعب، سيبقى سؤال واحد معلّقًا فوق كل هذا الضجيج:
هل فهمنا الدرس؟
هل أدركنا أن هذه المباراة مجرد ذريعة كي نتذكر أننا، رغم كل شيء، إخوة مصير لا خصوم بطولة؟
هل وعينا أن الجيرة ليست جيرة أرض، بل جيرة روح؟ وأن أي فوز يجرف معه الاحترام هو هزيمة متنكرة؟
الكرة ستتوقف عن الدوران.
لكن الدرس يجب ألا يتوقف.
لأن العلاقة بين الأردن والعراق ليست حدثًا، بل مرآة للعرب جميعًا: علاقة معقدة، مؤلمة، لكنها تحمل إمكانات مجددة لا تنضب.
فلنشجع غدًا بقلوب حماسية، نعم.
لكن لنجعل من المباراة مناسبة لنكون أكبر من انفعالاتنا. أن نخرج منها، لاعبين وجمهورًا وشعبين، أكثر قدرة على رؤية بعضنا كما رأينا دائمًا—لا كخصوم، بل كشهود أصيلين على تاريخ واحد، وعلى خندق واحد وقف فيه سعدون جابر يومًا وهو يغني:
"وقفت عمّان وبغداد في خندق واحد
والأردن قالت كلمتها… شعب وقائد."
هذا هو الفوز الذي لا تسجله الشباك.
هذا هو التتويج الذي لا تقدر عليه سوى الأمم التي تعرف من تكون.
وإن كان للعالم أن يبحث عن المعنى غدًا، فسيجده في مكان واحد:
في الأخلاق حين تنتصر، وفي الشعوب حين تتذكر، وفي المباريات التي تُلعب خارج الملعب أكثر مما تُلعب فوق العشب!
