*
الاثنين: 12 يناير 2026
  • 29 نوفمبر 2025
  • 14:33
الفيزياء الطبية وعلاج السرطان ثورة علمية تُنقذ الأرواح
الكاتب: د. سعد جمعة العطاونة

خبرني - لطالما شكّل التقدّم في الفيزياء الطبية حجر الزاوية في تطوير أساليب فعّالة وآمنة لعلاج السرطان؛ فبفضل تقنيات التصوير الطبي المتقدّم وتقنيات العلاج الإشعاعي الحديثة، بات بالإمكان تشخيص الأورام بدقة وتوجيه الجرعات الإشعاعية إلى الورم بدقة متناهية، ما يتيح تدمير الخلايا السرطانية مع الحفاظ على الأنسجة السليمة المجاورة. على صعيد التشخيص، أسهمت تقنيات مثل التصوير المقطعي المحوسب (CT)، التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)، والتصوير النووي (كالـ PET-CT ) في اكتشاف السرطان في مراحله المبكرة وتحديد مدى انتشاره بدقة، مما يجعل خطط العلاج أكثر خصوصية وفعالية. ومع التقدّم في أجهزة تتبع الورم خلال جلسات العلاج، أصبح بالإمكان مراقبة موقع الورم وحركته في الوقت الحقيقي باستخدام تقنيات MRIguided Radiotherapy أو CTonrails، مما يتيح تعديل الجرعات وإعادة ضبط خطط العلاج بشكل مستمر وفق وضع الورم الحقيقي. هذه الدورة من التقييم والتحسين تُعرف بـ Adaptive Radiation Therapy، وقد أثبتت الدراسات أنها تقلل التعرض غير الضروري للأنسجة السليمة وتحسن دقة توصيل الجرعة للورم.
أما في مجال العلاج، فقد اعتُمدت تقنيات متقدمة مثل Proton Beam Therapy (العلاج بالبروتونات) وIntensityModulated Radiation Therapy (IMRT) ـ أي العلاج الإشعاعي ذو الشدة المعدّلة. وفق تحليل منهجي ومراجعة منهجية لـ 11 دراسة شملت أكثر من 3000 مريض بسرطانات الرأس والعنق (منهم 606 عولجوا بالبروتونات و2394 بواسطة IMRT)، أظهرت النتائج أن العلاج بالبروتونات ارتبط بمعدلات بقاء عام (Overall Survival) أعلى: بعد سنة، سنتين، وخمس سنوات - وكذلك بتحسن في معدلات البقاء الخالي من المرض- (Disease Free Survival) ومعدلات السيطرة على الورم مقارنة بـIMRT . كما أن سمّية (toxicity) البروتونات كانت أقل: انخفاض ملحوظ في التهاب الأغشية المخاطية (mucositis)، اضطرابات التذوق، صعوبة البلع (dysphagia)، التعب، الألم وفقدان الوزن.

في دراسة أُجريت على مرضى يتلقون إشعاعًا جانبياً (ipsilateral) في مناطق الرأس والرقبة لمعالجة أورام الغدد اللعابية أو سرطانات الجلد، على سبيل المثال، كان استخدام البروتونات مرتبطًا بانخفاض كبير في الجرعات إلى أجزاء حرجة مثل جذع الدماغ والحبل الشوكي والفم والغدد اللعابية مقارنة بخطة IMRT، ما ترجم إلى تراجع كبير في معدلات المضاعفات الحادة مثل التهاب الفم، الغثيان، ومشاكل التذوق.
أما عند معالجة سرطانات نسائية (مثل سرطان بطانة الرحم)، فقد أشارت دراسة أجرتها مجموعة من المراكز إلى أن المرضى الذين تلقّوا العلاج بالبروتونات أبلغوا عن معدلات أقل من التسمم المعوي (GI toxicity) مقارنة بمن تلقّوا IMRT، ما يشير إلى أن البروتونات قد تُحسّن تجربة المرضى من ناحية الأعراض الجانبية.
وفي حالات أورام الدماغ لدى الأطفال، مثل ورم الـ Medulloblastoma، وجد تحليل حديث أن نتائج البقاء (Overall   and Progression-Free Survival) بعد العلاج بالبروتونات كانت مكافئة تقريبًا لنتائج العلاج الإشعاعي التقليدي بالفوتونات، ما يعني أن البروتونات قد توفر نفس الفعالية مع إمكانية تقليل تعرض الأنسجة السليمة للإشعاع.
كما تُظهر النتائج أن بعض مراكز الرعاية الكبرى - مثل Mayo Clinic في الولايات المتحدة - تقوم بتطبيق البروتونات في عدة أنواع من السرطان (أورام الدماغ، سرطان الثدي، سرطانات الرأس والرقبة، سرطان البروستاتا، وغيرها) نظراً لدقتها وقدرتها على تقليل الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الإشعاعي التقليدي.
مع ذلك، ليس كل شيء محسومًا: في دراسة أُخرى على مرضى بـ Oropharyngeal Cancer(سرطان البلعوم الفموي) قارنت بين البروتونات وIMRT كطرق للعلاج الإشعاعي- أظهرت أن معدلات بقاء الورم وخلوّ المرض بعد سنتين كانت متقاربة: 94.3٪ للبروتونات مقابل 96.8٪ لـ IMRT، والبقاء العام 94.6٪ مقابل 95.3٪. كذلك، لم تُسجَّل فروق كبيرة في جودة حياة المرضى أو وظائف البلع والتغذية بين الطريقتين.
وبناءً على هذه المعطيات، يتضح أن الفيزياء الطبية اليوم - من خلال التقنيات المتقدمة للتصوير والعلاج - لم تعد مجرد أداة مساعدة، بل أصبحت ركيزة أساسية في كل من تشخيص ومتابعة وعلاج السرطان. وفي حين أنّ العلاج بالبروتونات يظهر تفوقًا واضحًا في تقليل الأعراض الجانبية وتحسين سلامة الأنسجة المحيطة في كثير من الحالات، تظل الخيارات مثل IMRT مهمة وفعّالة، خاصة حين لا تتيسر البروتونات.
إنّ استمرار البحث العلمي، استخدام المراكز المتخصّصة، وتطوير تقنيات دقيقة لضبط الجرعات وتخطيط العلاج - خصوصًا في الأورام المعقدة أو في الأنسجة الحساسة مثل الرأس والعنق، الأطفال، أو أورام قريبة من أعضاء حيوية - يُعد بوابة لمستقبل طبي أكثر دقة وفاعلية، حيث يكون التشخيص أدق، والعلاج أكثر تخصصًا، والآثار الجانبية أقل، ما يزيد من فرص الشفاء ويحسن جودة حياة المرضى.
وفي الختام، تعد الفيزياء من الركائز الكبرى للتطور العلمي والطبي والصناعي في العالم الحديث. فهي أساس الابتكارات التي تُحدث الفارق في تشخيص الأمراض وعلاجها، وفي تطوير تقنيات الطاقة المتجددة والنووية، وفي الصناعات المتقدمة وعلوم المواد، وكذلك في البحث العلمي والتقنيات الطبية التي تنقذ الأرواح يوميًا. إن تعزيز الثقافة العلمية حول قيمة الفيزياء، ودورها العميق في حياة الإنسان، يشكّل خطوة أساسية نحو بناء مجتمع واعٍ يقدّر العلم، ويدعم الإبداع، ويؤمن بأن التخصصات العلمية الدقيقة هي بوابة المستقبل والتقدم الحقيقي.

مواضيع قد تعجبك