خبرني - تُشكل قارة أفريقيا، الغنية بمواردها وفتية بشبابها، مفارقة تنموية صارخة؛ فهي تواجه تحديًا وجوديًا يتمثل في التداعيات المدمرة للتغير المناخي، رغم مساهمتها الأقل في الانبعاثات العالمية.
فموجات الجفاف الطويلة والفيضانات غير المسبوقة، تُفاقم من هشاشة البنية التحتية وتُهدد سُبل العيش لمليارات البشر، خاصة في الدول الأشد فقرًا، مما يُلقي بعبء ثقيل على الحكومات التي تسعى جاهدة لتلبية احتياجات التنمية الأساسية.
الحاجة إلى "رأس مال الصمود": أزمة التمويل المناخي
يُجمع الخبراء على أن التكيف مع آثار التغير المناخي يتطلب ضخ رأس مال ضخم يفوق بكثير قدرة الدول الأفريقية مجتمعة. وتشير التقديرات إلى أن الفجوة التمويلية تظل العقبة الكبرى أمام مشاريع التحول الأخضر وبناء أنظمة إنذار مبكر فعالة.
إن هذه الفجوة تفتح الباب واسعاً أمام أهمية الشراكات الاستراتيجية التي تتجاوز مفهوم الإغاثة المباشرة إلى الاستثمار التنموي طويل الأجل. فالحاجة ماسة لتمويل مشاريع بنية تحتية مقاومة للمناخ، وحلول مستدامة في قطاعات الزراعة والمياه والطاقة.
نماذج الشراكة الاستراتيجية: نقلة نوعية نحو الاستدامة
في خضم هذا التحدي، برز دور بعض الشركاء الدوليين الذين تبنوا رؤية متكاملة لتمكين القارة من الاعتماد على نفسها. وفي هذا الصدد، قدمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجًا للشراكة الفاعلة، حيث ربطت أجندتها التنموية بأولويات القارة الأفريقية، ولا سيما في مواجهة تحديات المناخ والطاقة.
جهود في سياق التحول الأخضر والتنمية:
تمويل الطاقة النظيفة (رسالة واضحة): تركز الإمارات على الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة كحل جذري لمشكلة انقطاع الكهرباء وتخفيف الانبعاثات. فقد بلغت قيمة الاستثمارات الإماراتية في مشاريع الطاقة النظيفة والمتجددة في أفريقيا 4.5 مليار دولار، مما يساهم بشكل مباشر في سد الفجوة التمويلية لقطاع المناخ.
دعم الاقتصادات الهشة
لم يقتصر الدعم على الجانب التجاري، بل امتد إلى المساعدات التنموية المخصصة للمناطق الأكثر تضرراً من الجفاف والصراعات.
على سبيل المثال، بلغت قيمة المساعدات التنموية والإنسانية الإماراتية لدول الساحل الأفريقي الخمس (منطقة تعاني بشدة من آثار التصحر والجفاف) حوالي 750 مليون دولار أمريكي خلال الفترة من 2018 إلى 2023، تركز نحو 75% منها على مشاريع التنمية المستدامة.
الشراكة اللوجستية والاستثمارية: تعتبر الإمارات الأولى بين دول مجلس التعاون الخليجي والرابعة عالميًا في الاستثمار الأجنبي المباشر في أفريقيا بقيمة إجمالية تجاوزت 60 مليار دولار. هذه الاستثمارات لا تنحصر في قطاع واحد، بل تهدف إلى تطوير الموانئ والبنية التحتية اللوجستية الأفريقية، مما يعزز قدرة القارة على التجارة العالمية ويقلل من تكلفة الاستيراد والتصدير.
في هذا السياق أشار السفير أحمد حجاج، الأمين العام الأسبق لمنظمة الوحدة الأفريقية، إلى أن الإمارات نجحت "عبر مبادراتها الإنسانية وحملاتها الإغاثية في أن تبني مكانة خاصة داخل القارة السمراء"، مؤكداً أن التعاون معها يركز على "المشروعات الإنسانية والتنموية التي تصنع فارقاً واضحاً لصالح الأفارقة".
نحو مستقبل قائم على المنفعة المتبادلة
إن الانخراط الإماراتي في أفريقيا، وفق هذا السياق، يمثل نموذجًا لاستراتيجية القوة الناعمة التي تزاوج بين الاستثمار الاقتصادي طويل الأجل والدعم الإنساني الفوري. ورغم أن أي نفوذ جيوسياسي يحمل في طياته أهدافاً استراتيجية، فإن المؤشرات التنموية على الأرض تُظهر أن هذا الانخراط يساهم في بناء جدار حماية ضد التداعيات الأشد قسوة للتغير المناخي والفقر. إن التحدي يكمن الآن في ضمان أن تتجه هذه الاستثمارات والشراكات نحو آليات حوكمة شفافة، لتعظيم الاستفادة لشعوب القارة وتحقيق "الازدهار القائم على المنفعة المتبادلة" الذي تسعى إليه جميع الأطراف.



