في القرن العشرين، تحولت العريش من مجرد مدينة حدودية هادئة إلى رمز وطني مصري. فقد دفعت ثمن موقعها الاستراتيجي غالياً، إذ وجدت نفسها في قلب الحروب العربية–الإسرائيلية المتعاقبة. فبعد هزيمة 1967، وقعت العريش تحت الاحتلال الإسرائيلي، لتصبح شاهدة على واحدة من أصعب فترات التاريخ المصري الحديث.

تحوّلت شوارعها إلى مواقع عسكرية، وغادر بعض السكان إلى الداخل المصري، بينما بقي آخرون في المدينة محافظين على حياتهم اليومية وهويتهم.

لكن مع حرب أكتوبر 1973، عادت أنظار المصريين إلى سيناء بأكملها، وكانت العريش من أولى المدن التي ترمز للأمل بالتحرير. وبعد مفاوضات شاقة واتفاقية كامب ديفيد عام 1978، تلاها توقيع اتفاقية السلام المصرية–الإسرائيلية عام 1979، استعادت مصر سيادتها على العريش، لتكون أول مدينة كبرى في شمال سيناء تعود إلى الدولة المصرية.

 

التنظيمات المتشددة والحصار الأمني

منذ ثورة يناير 2011، دخلت مدينة العريش في مرحلة مختلفة عن تاريخها السابق. فقد استغلت جماعات مسلحة حالة الفراغ الأمني وبدأت في التمدد داخل شمال سيناء، لتتحول العريش سريعًا إلى ساحة مواجهة بين الدولة المصرية والتنظيمات المتشددة.

في البداية برزت جماعة أنصار بيت المقدس، التي استهدفت مقار الشرطة ونقاط التفتيش، ثم أعلنت في نوفمبر/تشرين الثاني 2014 مبايعتها لتنظيم الدولة الإسلامية تحت مسمى "ولاية سيناء". منذ ذلك الحين تصاعدت العمليات المسلحة ضد قوات الجيش والشرطة وحتى المدنيين.

وشهدت العريش وضواحيها سلسلة من الهجمات الدامية، بينها تفجير فندق القضاء عام 2015، وهجمات متكررة على الكمائن الأمنية، وصولًا إلى مجزرة مسجد الروضة عام 2017 التي قُتل فيها أكثر من 300 شخص.

ردًا على ذلك، شنت السلطات المصرية سلسلة من العمليات العسكرية، أبرزها عملية "حق الشهيد" عام 2015، ثم العملية الشاملة عام 2018 التي استهدفت معاقل المسلحين في سيناء. هذه الإجراءات رافقها فرض تدابير أمنية صارمة في العريش، شملت نقاط تفتيش متكررة، وحظرًا للتجوال في بعض الفترات، وقطع الاتصالات والإنترنت أحيانًا.

لكن على الجانب الآخر، عانى سكان المدينة من تداعيات هذه الحرب الطويلة. فالتنمية الاقتصادية بقيت محدودة، واشتكى الأهالي من القيود المفروضة على الحركة، بينما قالت منظمات حقوقية محلية ودولية إن السلطات استخدمت العريش كمركز احتجاز غير رسمي في بعض الفترات.

ورغم النجاحات العسكرية التي أضعفت تنظيم "ولاية سيناء" خلال السنوات الأخيرة، فإن العريش ما زالت حاضرة في نشرات الأخبار، باعتبارها خط المواجهة الأول مع الجماعات المسلحة، وفي الوقت نفسه مدينة حدودية محورية في أي نقاش يتعلق بمستقبل قطاع غزة.