*
السبت: 24 يناير 2026
  • 03 أيلول 2025
  • 12:09
أزمة الصحة في الأردن نزيف الكفاءات يهدد حق المواطن في العلاج
الكاتب: الدكتور عامر بني أحمد
مستشفيات مكتظة، اعتداءات متكررة، وهجرة أطباء وممرضين تضع الأردن أمام مفترق طرق

خبرني - تشهد المستشفيات الأردنية اليوم واقعًا صعبًا يعكس أزمات متراكمة تهدد ثقة المواطنين بالقطاع الصحي. في أقسام الطوارئ، ينتظر المرضى ساعات طويلة للحصول على سرير، فيما يواجه الأطباء والممرضون ضغط عمل هائل يمتد لساعات مرهقة مقابل أجور متدنية لا تعكس حجم التضحيات المبذولة. ويزيد من خطورة المشهد النقص الحاد في الأسرّة والمستلزمات الطبية، ما جعل من القطاع الصحي قضية رأي عام متكررة في النقاشات الوطنية.

ورغم أن وزارة الصحة تؤكد سعيها لتحسين مستوى الخدمات، إلا أن المشكلات الإدارية والبيروقراطية تواصل إلقاء بظلالها الثقيلة على المستشفيات. فالقرارات المتأخرة وضعف التخطيط الاستراتيجي أديا إلى تفاقم الأزمات، لتصبح المستشفيات بيئة عمل مرهقة لا تواكب المتغيرات العالمية ولا تستجيب بالسرعة المطلوبة لاحتياجات المرضى.

إلى جانب ضغوط العمل، يعاني الأردن من نزيف مستمر في الكفاءات الطبية. تشير تقديرات نقابية إلى أن مئات الأطباء والممرضين يغادرون البلاد سنويًا، بحثًا عن أجور أفضل وبيئة عمل أكثر عدالة. هذا النزيف يفاقم الفجوة في القطاع ويضاعف الضغوط على من تبقى من الكوادر داخل المستشفيات. الأخطر من ذلك، أن هذه الكوادر لا تواجه فقط ضغط العمل، بل أيضًا مخاطر الاعتداءات اللفظية والجسدية المتكررة داخل المستشفيات، والتي سُجّلت منها عشرات الحالات خلال السنوات الأخيرة، ما جعل بيئة العمل أكثر طردًا للكفاءات وأقل جذبًا للأجيال الجديدة.

كما تتضح التحديات في غياب خطط طويلة المدى لإدارة الأزمات الصحية، وضعف التنسيق بين وزارة الصحة والقطاع الخاص، إضافة إلى قلة الاستثمار في البحث العلمي والسياسات المبنية على الأدلة. هذه الفجوة تجعل النظام الصحي عرضة للارتجال بدلًا من الاستجابة الاستباقية. يضاف إلى ذلك البعد الاجتماعي والاقتصادي، إذ ترتفع كلفة العلاج على المواطن في ظل تراجع التأمين الصحي الشامل، وتزداد أعداد المرضى نتيجة الفقر والبطالة والأمراض المزمنة. ويرافق ذلك تراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات الصحية، ما يخلق فجوة بين المجتمع والقطاع الطبي.

لقد علمتنا أزمة كورونا أن الأطباء والممرضين هم خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين. وقفوا في الصفوف الأمامية بشجاعة وتفانٍ رغم المخاطر، وكانوا عنوان التضحية في أصعب الظروف. ومن هنا، فإن أي إصلاح صحي يجب أن يبدأ بالاعتراف بدور هؤلاء الأبطال وتقديرهم وحمايتهم، ماديًا ومعنويًا، ليستمروا برسالتهم الإنسانية.

الحلول لا تكمن في إجراءات سطحية قصيرة المدى، بل في خطط استراتيجية واقعية تُعيد بناء الثقة وتوقف نزيف الكفاءات. المطلوب هو الاستفادة من خبرات أبناء الأردن في الخارج، والانفتاح على الكفاءات الأجنبية، والعمل وفق معايير الدول المتقدمة لتحسين جودة الخدمات في القطاعين العام والخاص. ويُعد تعزيز البحث العلمي الصحي داخل وزارة الصحة وزيادة ميزانيتها خطوة ضرورية لتحقيق أهدافها بما يتماشى مع تحديات العصر. كما أن تحسين بيئة العمل وحماية الكوادر الطبية من الضغوط والاعتداءات يمثلان ركيزة أساسية لأي إصلاح ناجح.

إن بناء مستقبل صحي أكثر قوة في الأردن يتطلب رؤية واضحة تتبنى التحول الرقمي في الخدمات الطبية، وتوسيع الاستثمار في تدريب الكوادر الوطنية ورفع كفاءتها، وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص بما يضمن توزيعًا أفضل للموارد. كما أن تأسيس مراكز بحثية متخصصة بالصحة العامة والأوبئة سيساعد في وضع سياسات مبنية على الأدلة، قادرة على التنبؤ بالأزمات والحد من آثارها. هذه الخطوات ليست ترفًا، بل ضرورة حتمية لضمان استدامة النظام الصحي ومواكبته للتحديات العالمية.

إن وطننا الحبيب يستحق من أبنائه العمل الجاد والتخطيط والتفاني لرفع مستوى القطاع الصحي، بما يليق بطموحات الشعب الأردني وحقه في رعاية صحية آمنة وعادلة.
 

مواضيع قد تعجبك