*
الاثنين: 02 فبراير 2026
  • 28 أغسطس 2025
  • 15:47
هل يتعلّم طلابنا ما يحتاجه سوق العمل فعلًا نظرة في مناهج التعليم العام

خبرني - تُعتبر قضية توافق التعليم مع متطلبات سوق العمل من أبرز التحديات التي تواجه الدول في عصر تتسارع فيه التغيرات التكنولوجية والاقتصادية. وفي الأردن، تتردد هذه القضية بشكل ملحّ في النقاشات الأكاديمية والإعلامية وصنع السياسات، حيث يطرح الكثيرون سؤالًا جوهريًا: هل يتعلم طلابنا فعلًا ما يحتاجه سوق العمل؟ أم أن هناك فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين ما يكتسبه الطلبة في المدارس والجامعات وبين ما يبحث عنه أصحاب العمل من مهارات وكفاءات؟

التعليم وسوق العمل: أين تتقاطع المسارات وأين تتباعد؟

إن العلاقة بين التعليم وسوق العمل علاقة مصيرية، فالتعليم ليس غاية بحد ذاته، بل وسيلة لبناء إنسان قادر على المساهمة في التنمية المستدامة. لكن الواقع الأردني يُظهر بوضوح أن هذه العلاقة لا تسير دائمًا في اتجاه واحد. فبينما يشهد سوق العمل تحولات جذرية بفعل الرقمنة والذكاء الاصطناعي والعولمة، لا تزال المناهج الدراسية الأردنية تسير بوتيرة أبطأ بكثير، ما يخلق فجوة واضحة بين مخرجات التعليم العام والمهارات المطلوبة في بيئة العمل الحديثة.

الأرقام تشير إلى أن نسب البطالة بين الشباب الأردني لا تزال مرتفعة، رغم أن نسبة منهم يحملون شهادات جامعية أو مؤهلات تعليمية متقدمة. وهذا يؤكد أن المشكلة ليست في قلة المتعلمين، بل في نوعية التعليم ومدى ارتباطه بالمهارات العملية والمهنية التي يحتاجها السوق.

أهمية المناهج الدراسية الأردنية: بين النظرية والتطبيق

لا شك أن المناهج الدراسية الأردنية لعبت دورًا مهمًا على مدى عقود في بناء جيل متعلم، خاصة من حيث تعزيز القيم الوطنية والمعرفة الأساسية في العلوم والرياضيات واللغة. غير أن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في مدى قدرة هذه المناهج على مواكبة التغيرات السريعة. فهل تكفي هذه المناهج لإعداد طالب قادر على المنافسة عالميًا في سوق متسارع التغيرات؟

الكثير من الخبراء يرون أن أهمية المناهج الدراسية الأردنية لا تكمن فقط في ترسيخ المعارف، بل أيضًا في تنمية مهارات القرن الحادي والعشرين: التفكير النقدي، حل المشكلات، الإبداع، مهارات التواصل والعمل ضمن فريق. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة شاملة للمحتوى التعليمي بحيث يكون أكثر ارتباطًا بالواقع الاقتصادي والاجتماعي.

فجوة التعليم وسوق العمل الأردني: الأسباب الجذرية
إذا ما نظرنا بعمق إلى فجوة التعليم وسوق العمل الأردني، سنجد أن الأسباب متعددة، منها:


•    طغيان الجانب النظري: ما زالت المناهج تركّز على الحفظ والتلقين أكثر من التفكير والتحليل والتجريب العملي، وهذا يقلل من قدرة الطالب على تحويل ما يتعلمه إلى مهارات قابلة للاستخدام في العمل.
•    ضعف التعليم المهني والتقني: رغم وجود محاولات لتشجيع التعليم المهني، إلا أن النظرة الاجتماعية السلبية نحوه جعلت الإقبال عليه محدودًا، في حين أن سوق العمل بحاجة ماسة إلى المهنيين والتقنيين في مجالات متعددة.
•    غياب الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص: فالمناهج تُعدّ غالبًا بمعزل عن احتياجات الشركات والمؤسسات. وهذا يؤدي إلى تخريج طلاب يحملون معرفة أكاديمية قد لا تتطابق مع متطلبات الوظائف.
•    البطء في مواكبة التكنولوجيا: بينما يتجه العالم نحو الاقتصاد الرقمي، ما زال تدريس البرمجة، الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني محدودًا في المدارس والجامعات الأردنية.
•    ضعف التدريب العملي: الطالب الأردني غالبًا ما يتخرج من دون خبرة عملية كافية، مما يجعله بحاجة إلى تدريب طويل بعد التوظيف، وهو ما يقلل من فرصة أمام منافسين من دول أخرى.

تطوير التعليم في الأردن: من أين نبدأ؟
لكي يضيق الأردن الفجوة بين التعليم وسوق العمل، لا بد من خطوات جريئة وشاملة في مجال تطوير التعليم في الأردن. ويمكن تلخيص أبرزها فيما يلي:


•    تحديث المناهج باستمرار: بحيث يتم إدماج مفاهيم جديدة مثل ريادة الأعمال، الابتكار، الاقتصاد الرقمي، والتعليم القائم على المشاريع.
•    تعزيز التعليم المهني والتقني: ليس فقط من خلال تطوير المدارس المهنية، بل أيضًا عبر تحسين صورتها المجتمعية وإبراز قصص نجاح لخريجيها الذين تمكنوا من تأسيس مشاريع أو الحصول على وظائف ذات دخل جيد.
•    إشراك القطاع الخاص في صياغة المناهج: فمن غير المنطقي أن يتم إعداد مناهج التعليم بمعزل عن الجهات التي ستستفيد من مخرجاته. لذلك يجب إشراك الشركات والمؤسسات في رسم خريطة المهارات المطلوبة للمستقبل.
•    تنمية مهارات التفكير النقدي والإبداع: عبر تقليل الاعتماد على الامتحانات التقليدية والتركيز أكثر على المشاريع والأنشطة العملية التي تكشف عن قدرات الطالب الحقيقية.
•    التوسع في التعليم الرقمي: جائحة كورونا أثبتت أن العالم لا يمكنه الاستغناء عن التعليم عن بُعد والتقنيات الرقمية. ومن هنا، فإن دمج التكنولوجيا في التعليم ليس خيارًا بل ضرورة.

نحو تعليم يعزز التوظيف والإبداع

إذا أراد الأردن أن يبني اقتصادًا قائمًا على المعرفة، فلا بد أن يصبح التعليم أكثر مرونة وقدرة على التكيف. الطلاب لا يحتاجون فقط إلى شهادة، بل إلى مهارات عملية وشخصية تجعلهم قادرين على مواجهة تحديات العمل. ومن هنا، فإن أهمية تطوير التعليم في الأردن تتجاوز مجرد تحسين المناهج لتشمل بناء منظومة متكاملة تربط المدرسة بالجامعة، والجامعة بسوق العمل، في إطار شراكة حقيقية بين الدولة والمجتمع والقطاع الخاص.

الخاتمة

السؤال المطروح: هل يتعلم طلابنا ما يحتاجه سوق العمل فعلًا؟ الإجابة حتى الآن تميل إلى "لا" جزئيًا، لأن هناك فجوة حقيقية بين التعليم وسوق العمل الأردني، ولكن في الوقت ذاته هناك فرصة كبيرة لتجاوز هذه الفجوة من خلال إصلاحات عميقة وجادة في المناهج وطرق التدريس، وتعزيز الربط مع متطلبات السوق.

أهمية المناهج الدراسية الأردنية تكمن في أنها قادرة، إذا ما جرى تطويرها، على أن تكون جسرًا نحو مستقبل أفضل للطلاب والشباب الأردني. ومع تفعيل خطط تطوير التعليم في الأردن، يمكن أن يتحول التعليم من مجرد شهادة إلى أداة حقيقية للتوظيف والإبداع والمنافسة إقليميًا وعالميًا.

مواضيع قد تعجبك