*
الجمعة: 09 يناير 2026
  • 09 أغسطس 2025
  • 01:55
متى ننتهي من رعب التوجيهي نحو فهم أعمق للمشكلة وحلول شاملة تبدأ من الجذور
الكاتب: أ. د. بسام الشخريت

خبرني - لا يكاد يخلو بيت في الأردن من قصص القلق والتوتر والضغوط النفسية المرتبطة بامتحان الثانوية العامة "التوجيهي"، حتى بات هذا الامتحان مصدر رعب اجتماعي وثقافي يتكرر سنوياً. تظهر هذه الأزمة بوضوح كل عام، لكنها تتجدد بصور مختلفة، كان آخرها ما طرحه برنامج "ستون دقيقة" على شاشة التلفزيون الأردني، في حلقته التي ناقشت بجرأة موضوع: "متى ننتهي من رعب امتحان التوجيهي؟".

لكن هل تكمن المشكلة فقط في صعوبة الامتحان أو في جدوله المكثف؟ أم أن هناك جذوراً أعمق تتعلق بالتحضير النفسي، والتأسيس الأكاديمي، وثقافة التعامل مع التعليم بشكل عام؟

■ أولاً: أزمة تتجاوز الجدول والأسئلة
اللقاء التلفزيوني سلط الضوء على العديد من الجوانب الأكاديمية والإدارية المتعلقة بامتحان التوجيهي، منها:
١. ضيق الفترة الزمنية بين الامتحانات، وعدم وجود فواصل كافية خاصة في المواد العلمية.
٢. عدم مراعاة العطل الرسمية، كما حدث مع امتحان الرياضيات الذي صادف عطلة رأس السنة الهجرية.
٣. غياب منظومة دعم نفسي مؤسسي للطلبة، رغم الضغط الهائل الذي يتعرضون له في هذه المرحلة.
٤. اقتصار أساليب التقييم على النمط الورقي التقليدي، دون إدخال وسائل تفاعلية أو إلكترونية حديثة.

لكن هذه الجوانب، على أهميتها، لا تُظهر سوى السطح من جبل الجليد.

■ ثانياً: أين تقع مسؤولية الطالب وذويه؟
ما يغيب عن النقاش العام في كثير من الأحيان هو أن جزءاً كبيراً من المسؤولية يقع على الطالب وأسرته، خاصة فيما يتعلق بالإعداد النفسي والعلمي خلال السنوات التي تسبق التوجيهي.
● ضعف التأسيس الأكاديمي في المراحل الإعدادية (من الصف التاسع حتى الحادي عشر) يجعل الطالب يدخل عام التوجيهي وهو محمّل بالفجوات المعرفية.
● الثقافة الأسرية الخاطئة التي لا ترى في التوجيهي إلا "سنة مصيرية"، دون الالتفات إلى ضرورة الإعداد التدريجي.
● الاستهانة بالتحصيل الذاتي والاعتماد المفرط على الدروس الخصوصية، مما ينتج طالباً اتكالياً لا يمتلك أدوات التفكير والتحليل.
● غياب الانضباط الذاتي والتخطيط المبكر، حيث يكتفي بعض الطلبة بالمذاكرة الفعلية قبل الامتحانات بأسابيع قليلة.

من هنا، يصبح التوجيهي اختباراً مرعباً لأنه يأتي فجأة، دون سياق تربوي ممتد أو استعداد نفسي متراكم.

■ ثالثاً: نحو حلول جذرية لا تجميلية
إن القضاء على "رعب التوجيهي" لا يتحقق فقط بتعديل المواعيد أو تخفيف الأسئلة، بل يستدعي تحولاً عميقاً في فلسفة التعليم وأسلوب الاستعداد. وفيما يلي مجموعة من الحلول المقترحة:

١. تعزيز ثقافة الاستعداد المبكر: يجب أن تُطلَق حملات توعية موجهة للأهالي والطلبة، تؤكد أن التوجيهي ليس سنة دراسية، بل نتيجة عملية تعليمية تمتد لسنوات. وأن التحضير يجب أن يبدأ فعلياً من الصف التاسع، لا من اللحظة التي يستلم فيها الطالب كتاب الفيزياء في الثاني عشر.
٢. إدخال مادة "مهارات الدراسة والتخطيط": يمكن للمناهج أن تتضمن وحدة دراسية أو نشاطاً عملياً يعزز مهارات معينة ، مثل: إدارة الوقت، تنظيم المذاكرة، التعامل مع التوتر، وفهم نمط الأسئلة. وهذا يمكن أن يغيّر جذرياً من طريقة تعامل الطالب مع الامتحان.
٣. تفعيل الدعم النفسي والإرشاد التربوي: ينبغي أن يكون للمرشدين التربويين دور فاعل داخل المدارس، وأن يتم توفير خط دعم نفسي متاح للطلبة وأسرهم خلال فترة الامتحانات. فالصحة النفسية عنصر أساسي في النجاح الأكاديمي.
٤. إصلاح الثقافة الأسرية: يحتاج الأهالي إلى التوجيه حول كيفية التعامل مع أبنائهم خلال العام الدراسي. فبدلاً من الضغط المستمر، يجب تقديم الدعم، والتحفيز، وخلق بيئة هادئة مناسبة للتعلم، بعيداً عن المقارنات والتهديد والوعيد.
٥. تنويع أساليب التقييم: لا بد من إعادة النظر في طبيعة امتحان التوجيهي، والتفكير في إدخال نماذج تقييم متنوعة مثل المشاريع، الامتحانات العملية، والتقييم المستمر، بما يخفف العبء من امتحان واحد نهائي.

وأخيراً وليس آخراً: هل نريد القضاء على الرعب أم الاستمرار في إنتاجه؟

إن السؤال "متى ننتهي من رعب التوجيهي؟" لا يجب أن يُطرح في شهر الامتحانات فقط، بل يجب أن يكون سؤالاً تربوياً مستمراً نعيد طرحه كلما بدأ عام دراسي جديد. فالتوجيهي ليس وحشاً بطبيعته، وإنما تحول إلى وحش بفعل طريقة تعاملنا معه، كطلبة، وأهالٍ، ومؤسسات تعليمية، وإعلام تربوي.

ولذلك، فإن الحل الحقيقي يبدأ حين نقرر أن نُعدَّ أبناءنا للعلم من أجل الفهم، لا من أجل العلامة فقط. حينها فقط، سينتهي الرعب … ويبدأ التعلم الحقيقي.

مواضيع قد تعجبك