*
الاحد: 18 يناير 2026
  • 06 آذار 2025
  • 21:26
غزوة مؤتة نصر مؤزّر
الكاتب: محمد مرقة

رسخ عندنا أن ما كان في غزوة مؤتة انسحاب تكتيكيّ، وبراعةٌ من خالد بن الوليد رضي الله عنه في الحفاظ على حياة المسلمين والانسحاب بأقل الخسائر. ولكن البحث يقودنا إلى أنها كانت نصرًا مؤزّرًا، والروايات التي تنقل عكس ذلك لا تثبت، كتلك التي تنقل أن الناس استقبلوا الجيش يحثون في وجوههم التراب ويقولون: يا فرار، فررتم في سبيل الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار إن شاء الله". وهذه الرواية تحديدًا على شهرتها، مرسلة لا تصح. 
والإمام الذهبي رحمه الله في السير في ترجمة خالد رضي الله عنه قال: ثم سار غازيًا ،فشهد غزوة مؤتة ،واستشهد أمراء رسول الله صلى الله عليه وسلم الثلاثة ؛ مولاه زيد ،وابن عمه جعفر ذو الجناحين ،وابن رواحة ،وبقي الجيش بلا أمير، فتأمر عليهم في الحال خالد، وأخذ الراية، وحمل على العدو، فكان النصر . وسماه النبي صلى الله عليه وسلم سيف الله ، فقال : إن خالدًا سيف سله الله على المشركين .
يدل على هذا النصر، ما رواه الإمام البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه عن نبأ أهل مؤتة قبل أن يعودوا إلى المدينة، قال صلى الله عليه وسلم: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب. يقول أنس: وعيناه تذرفان، ثم قال صلى الله عليه وسلم: حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليه. وفي رواية عند الإمام أحمد رحمه الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع إصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره. والفتح لا يدل إلا على النصر، ودعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم مُستجاب.
وعند  الإمام البيهقي رحمه الله في الدلائل بسنده إلى الحارث بن الفضل قال: لما أخذ خالد بن الوليد الراية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الآن حمي الوطيس" قال: فحدثني العطاف بن خالد قال: لما قتل ابن رواحة مساءً بات خالد بن الوليد فلما أصبح غدًا وقد جعل مقدمتهُ ساقته، وساقتهُ مقدمته، وميمنتهُ ميسرته، وميسرتهُ ميمنته، فأنكروا(يعني الروم) ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم، وقالوا: قد جاءهم مدد. فرعبوا، فانكشفوا منهزمين، فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم. 
وأما بشأن قول بعض المؤرخين الكبار أمثال ابن اسحق باعتماد الرواية التي تفيد الإنسحاب التكتيكي، فقد قال الحافظ ابن كثير: ويمكن الجمع بين قول ابن إسحاق وبين قول الباقين، وهو أن خالدًا لما أخذ الراية حاشى بالقوم المسلمين، حتى خلصهم من أيدي الكافرين من الروم والمستعربة، فلما أصبح وحول الجيش ميمنة وميسرة، ومقدمة وساقة، كما ذكره الواقدي ، توهم الروم أن ذلك عن مدد جاء إلى المسلمين، فلما حمل عليهم خالد ، هزموهم بإذن الله . والله أعلم.

مواضيع قد تعجبك