*
السبت: 24 يناير 2026
  • 26 فبراير 2025
  • 20:30
الأردن تحت وطأة العطش كيف يمكن أن تغير السياسة والمشاريع الكبرى مصير المياه
الكاتب: المحامي الدكتور ربيع العمور

عطش الأرض وصراع البقاء

في قلب الشرق الأوسط، حيث تتصارع الحضارات مع قسوة الطبيعة، يخوض الأردن واحدة من أشد المعارك المصيرية في تاريخه: معركة الماء. ليست هذه مجرد أزمة نقص موارد، بل هي اختبار حقيقي لقدرة دولة بأكملها على الصمود في وجه تحديات الطبيعة، والسياسة، والتغيرات المناخية.

منذ سنوات، يواجه الأردنيون أزمة وجودية تتعمق مع مرور الوقت، حيث تتراجع الموارد المائية، ويتضاعف عدد السكان، وتزداد الحاجة إلى حلول مبتكرة تنقذ البلاد من شبح العطش. ومع أن الحكومة الأردنية لم تدّخر جهدًا في البحث عن حلول، إلا أن العوائق السياسية، وتجاهل الاتفاقيات الدولية، والتلاعب بالمصادر المائية من قبل بعض الدول المجاورة، جعلت من هذه الأزمة ساحة معركة مفتوحة بين الطموح والواقع القاسي.

في خضم هذه الأزمة، بدأ الأردن يضع يده على آمال جديدة لتحسين العلاقات مع جيرانه، لا سيما مع سوريا بعد تولي الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع منصبه، وهو ما يعكس تغييرًا استراتيجيًا في العلاقات الإقليمية وفتح الأفق أمام التعاون المائي بشكل غير مسبوق.

الأردن.. حين يصبح الماء كنزًا لا يُقدر بثمن

لا يمكن الحديث عن أزمة المياه في الأردن دون فهم طبيعة الأرض التي تحتضن هذا البلد الصامد. فعلى الرغم من كونه غنيًا بالتاريخ والثقافة، إلا أن موارده المائية تكاد تكون معدومة، حيث يعتمد بشكل أساسي على المياه الجوفية، وبعض الأنهار والسدود التي لم تعد قادرة على مجاراة الطلب المتزايد.

يبلغ نصيب الفرد من المياه في الأردن أقل من 100 متر مكعب سنويًا، وهي نسبة تُصنّف البلاد ضمن الدول الأكثر شحًّا بالمياه في العالم. وفي المقابل، تُعتبر الحدود السياسية والجغرافية للأردن عاملاً معقدًا، حيث تعتمد المملكة على مصادر مائية مشتركة مع دول الجوار، ما يجعلها رهينة للقرارات السياسية والمصالح الإقليمية.

وادي عربة.. حين تصبح الاتفاقيات حبرًا على ورق

عام 1994، وبصيص الأمل يلوح في الأفق، وقّع الأردن وإسرائيل معاهدة وادي عربة، التي كان من المفترض أن تؤمّن للأردن حقه في المياه من نهر الأردن وبحيرة طبريا. بموجب الاتفاق، تعهّدت إسرائيل بتزويد الأردن بـ 55 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، على أن يكون هناك تعاون مائي بين الطرفين.

لكن سرعان ما تحوّلت هذه الاتفاقية إلى مجرد وثيقة تُستدعى وقت الحاجة. فقد استخدمت إسرائيل المياه كورقة ضغط سياسي، وخفّضت كميات المياه التي تمنحها للأردن في بعض السنوات، متذرعة بمواسم الجفاف أو تراجع مخزونها المائي. والنتيجة؟ عطش أردني متزايد، ومراوغة إسرائيلية لا نهاية لها.

في عام 2021، حاول الأردن الالتفاف على هذه المشكلة من خلال توقيع اتفاقية "الماء مقابل الطاقة"، التي تقضي بتزويد إسرائيل بـ 600 ميغاواط من الطاقة الشمسية، مقابل حصول الأردن على 200 مليون متر مكعب من المياه المحلاة. لكن الاتفاقية واجهت معارضة شعبية كبيرة، حيث رأى الأردنيون فيها رهنًا لمستقبلهم المائي لإسرائيل، ما زاد من حالة التوتر والشكوك حول نوايا تل أبيب.

نهر اليرموك.. حين تصبح الجغرافيا لعنة

على الجانب الآخر، كانت العلاقات المائية بين الأردن وسوريا تسير في مسار غير مستقر. يُعتبر نهر اليرموك من أهم المصادر المائية التي يعتمد عليها الأردن، حيث كان من المفترض أن يحصل على حصة ثابتة من مياهه وفق اتفاقيات سابقة مع سوريا.

لكن ومع اندلاع الحرب في سوريا عام 2011، تغيّر كل شيء. قامت الحكومة السورية ببناء سدود غير مصرح بها على النهر، ما قلّل بشكل كبير من كمية المياه المتدفقة إلى الأردن. ومع تزايد تعقيدات الوضع السوري، باتت إمكانية استعادة الحصة الأردنية من مياه اليرموك حلمًا بعيد المنال، ما أجبر المملكة على البحث عن بدائل أخرى أكثر استدامة.

الناقل الوطني وتحلية مياه البحر.. حلم الأمل الأخير

مع اشتداد الأزمة، بدأ الأردن في البحث عن حلول داخلية بدلًا من الاعتماد على مصادر مياه غير مضمونة. وهنا برز مشروع "الناقل الوطني لتحلية مياه البحر" كواحد من أكبر المشاريع المائية في تاريخ البلاد.

يهدف المشروع إلى تحلية مياه البحر في العقبة، ونقلها عبر خط أنابيب ضخم إلى مختلف مناطق المملكة، مما سيوفر مصدرًا مستدامًا للمياه، بعيدًا عن التقلبات السياسية الإقليمية. ومن المتوقع أن ينتج المشروع 300 مليون متر مكعب من المياه سنويًا، وهو ما قد يُحدث فارقًا جوهريًا في تخفيف الأزمة.

لكن التحديات لم تنتهِ هنا. فتكلفة المشروع الضخمة، التي تقدر بمليارات الدولارات، تجعل من الضروري تأمين تمويل دولي واستثمارات كبيرة، فضلًا عن ضرورة تحسين البنية التحتية لتقليل الفاقد المائي، الذي يصل إلى 45% من المياه الموزعة حاليًا بسبب التسربات وسوء الإدارة.

دور زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع وتحسن العلاقات الاستراتيجية وتأثيرها على أزمة المياه

في ظل الأزمة المائية المتفاقمة التي يعاني منها الأردن، تأتي زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى عمان لتحمل في طياتها أملًا جديدًا لإيجاد حلول استراتيجية تُسهم في تخفيف هذه الأزمة. إن تحسين العلاقات الأردنية-السورية بعد سنوات من التوتر، وخصوصًا في ملف المياه، يعد خطوة حيوية لفتح قنوات التعاون بين البلدين في مجال الموارد المائية.

لقد كان نهر اليرموك، الذي يشكل أحد المصادر الرئيسية للمياه في الأردن، محورًا رئيسيًا في التوترات السابقة بين البلدين بسبب بناء السدود السورية غير المصرح بها على مجراه، ما قلّل من حصة الأردن من مياهه. إلا أن الزيارة الأخيرة للرئيس السوري أحمد الشرع إلى الأردن، والتي جاءت في توقيت حرج، أظهرت رغبة حقيقية في إعادة تنشيط التعاون بين البلدين في ملف المياه. فقد كان هذا اللقاء فرصة لتبادل وجهات النظر حول كيفية إعادة تنسيق حصص المياه بشكل عادل بين الأردن وسوريا، وتحقيق الاستفادة المشتركة من الموارد المائية المحدودة في المنطقة.

الملك عبدالله أكد في تصريحاته بعد اللقاء على أهمية التعاون بين البلدين، حيث أشار إلى "ضرورة التنسيق الوثيق في مواجهة التحديات المتعلقة بأمن الحدود، والحد من تهريب الأسلحة والمخدرات". لكن، في السياق نفسه، شدد على أهمية إعادة تأهيل واستثمار المصادر المائية المشتركة، وضرورة العمل الجاد لتأمين حصص المياه التي تضمن استدامتها للأجيال المقبلة.

وقد ربط الملك عبدالله بين هذه الخطوات وبين ملف اللاجئين السوريين، حيث أشار إلى أن "تهيئة الظروف المناسبة للعودة الطوعية والآمنة للاجئين السوريين" تعد جزءًا من الإستراتيجية الكبرى لتعزيز الأمن المائي في المنطقة. فمع عودة الاستقرار إلى سوريا، من المتوقع أن يتاح للأردن فرصة أكبر لإعادة تقييم التعاون المائي بين البلدين، ويُحتمل أن تساهم هذه الجهود في تحقيق حلول مستدامة لأزمة المياه، من خلال إعادة توزيع المياه وحصصها بين الدولتين في إطارٍ من التعاون الثنائي.

وفي هذا السياق، فإن زيارة الرئيس السوري الشرع إلى الأردن تمثل خطوة استراتيجية نحو تقوية العلاقات بين البلدين، لكن الأهم هو أن هذه العلاقات يمكن أن تساهم في تغيير مجرى أزمة المياه في الأردن بشكل جذري، خاصةً إذا تم التوصل إلى تفاهمات بشأن المياه المشتركة بين الأردن وسوريا، وفتح المجال لإطلاق مشاريع مشتركة لتحسين إدارة المياه في المنطقة.

إن تحسن العلاقات مع سوريا يعزز الأمل في أن يتمكن الأردن من استعادة حصصه المائية بشكل أكبر، خاصة في ضوء التحديات التي يواجهها من مصادر المياه الخارجية، سواء كانت من إسرائيل أو سوريا. هذا التعاون المستقبلي قد يكون العامل الحاسم في إدارة الأزمة المائية التي تهدد استدامة الحياة في الأردن، ويشكل جزءًا أساسيًا من استراتيجية المملكة لتأمين مصادر مياه مستدامة وضمان استقرارها الاقتصادي والاجتماعي في المستقبل.

 هل يمكن للأردن أن ينتصر في معركة المياه؟

في عالمٍ حيث بات الماء أغلى من النفط، يقف الأردن عند مفترق طرق حاسم. فإما أن يتمكن من تأمين مصادر مياه مستدامة عبر التكنولوجيا الحديثة والمشاريع الكبرى، وإما أن يبقى رهينة لاتفاقيات لم تُحترم يومًا، وتقلّبات سياسية لا ترحم.

لكن إذا كان هناك شيء واحد يُميز الأردن، فهو قدرته على الصمود أمام الأزمات والتكيّف مع الظروف الصعبة. ربما تبدو المعركة صعبة، وربما تبدو الخيارات محدودة، لكن ما زال هناك أمل. فالأردنيون الذين حوّلوا الصحراء إلى مدن نابضة بالحياة، والذين واجهوا أعتى التحديات، قادرون أيضًا على الانتصار في معركة المياه.. فقط إن توفر لهم الدعم والإرادة الحقيقية للتغيير.
 

مواضيع قد تعجبك