خبرني - القى السفير والوزير الاسبق الدكتور حازم نسيبة محاضرة في الدائرة الثقافية في الجامعة الاردنية صباح الاثنين بعنوان: ذكريات مقدسية.
وشرح الدكتور نسيبة في محاضرته المعطيات الثابتة التي يجب التمسك بها من اجل الحفاظ على عروبة القدس .
وبين نسيبة القيم التاريخية للقدس حتى احتلالها من قبل الكيان الاسرائيلي , مشيرا الى أنه "رغم التغول والقضم الإسرائيلي، فإن أهل القدس مازالوا يملكون 90% من أملاكها ويشكلون تسعين بالمائة من مجموع سكانها، حتى بعد أن وسّع اليهود حيّهم القديم فيها توسيعاً كبيراً على حساب أحياء عربية أزالوها من الوجود".
وتاليا النص الكاملة لمحاضرة نسيبة :
يسعدني أن أتحدث إليكم في جامعتكم الأردنية العتيدة، وقد كنت في أولى أيام نشأتها المبكرة محاضراً فيها في أواسط ستينات القرن الماضي، في موضوع العلاقات الدولية.
وإنني لأشكر أخي معالي الدكتور خالد الكركي، رئيس الجامعة المجلى، على إتاحة هذه الفرصة لي للتحدث إليكم، وقد أصبحت الجامعة طوداً شامخاً يشار إليها بالبنان، وهي تحتضن زهاء أربعين ألفاً من شباب وطننا الأردني العزيز، وأفواجاً متزايدة من أبناء وبنات أمتنا العربية المجيدة. منارة علم نفاخر بها العالمين، وبعد
أتحدث إليكم اليوم في موضوع ليس كغيره من المواضيع. فمدينة القدس موضوع حديثي، تثير في كل واحد منا أعمق مشاعر الحميّة الوطنية والقومية والدينية. كيف لا وهي حاضنة قبلتنا الأولى في المسجد الأقصى الذي بارك الله حوله، ومسرى ومعراج رسوله الأمين، ومثوى قيامة السيد المسيح عليه السلام، والأنبياء والمجاهدين والصالحين على مرِّ العصور. إن مصيرها خط أحمر كما عبَّر عن ذلك جلالة الملك عبد الله الثاني في كل مناسبة من المناسبات؛ وهي قرّة عين العالم الإسلامي المترامي الأطراف، الذي يشكل أهله ربع سكان المعمورة، أي ملياراً ونصف مليار نسمة يتواجدون في قاراتها الخمس.
وقد جاء التأكيد على ذلك الالتزام المطلق على لسان رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان أمام القمة العربية الأخيرة في ليبيا، عندما قال: "إن مصير القدس هو مصير فلسطين، فإذا احترقت فلسطين احترق معها الشرق الأوسط بمجموعه". كما ربط مصير القدس بمصير استانبول، ربطاً قاطعاً، مما يفتح آفاق إقليمية جديدة واسعة، لمجابهة الاحتلال الصهيوني الغاشم، واستنهاض مكنونات أمة حلَّت بقلبها النابض فلسطين نكبة كبرى ثانية، بعد حروب الفرنجة الأولى قبل 900 عام، على يد الصهيونية العالمية، وبدعم علني وسرِّي من الصليبية الجديدة، ممثلة بوعد بلفور الآثم، واتفاقية سايكس بيكو السريّة البريطانية الفرنسية، التي قطّعت أوصال بلاد الشام، وسائر الوطن العربي، للتفرد بفلسطين وأهلها واستلاب وطنهم وتشريدهم تحت كل سماء، وتهديد الوطن العربي بمجموعه.
أيها الإخوة والأخوات،
ربما يتساءل البعض: ولماذا التركيز على مدينة القدس دون سائر مدن فلسطين المحتلة؟ والجواب هو أن القدس تُجسِّد فلسطين بمجموعها، تمثلها حاضرة أبدية لفلسطين روحياً وسياسياً وجغرافياً واقتصادياً واجتماعياً، ذلك أنها ملتقى شعب فلسطين وتقع في ملتقى القارات الثلاث آسيا وأوروبا وأفريقيا، فمن يسيطر عليها يسيطر لا على فلسطين وحدها، بل على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.
كيف يمكن قيام فلسطين موحدة تجمع الشمال بالجنوب والشرق بالغرب إذا كانت مدينة القدس في يد احتلال عدو؟ بل كيف يمكن لوسائل المواصلات أن تنساب بين أقطار مشرقنا العربي إذا كان هنالك إسفين غادر يُقطِّع أوصالها؟ وقد أدرك الكونت برناديت هذه الحقيقة الجيوسياسية، وكان مبعوث الأمم المتحدة عام 1949 لتسوية قضية فلطسين، فقدّم مشروعه المعروف الذي تضمَّن تخصيص النقب وكامل القدس الكبرى إلى الدولة الفلسطينية التي نص عليها قرار تقسيم فلسطين 181 عام 1947، مقابل إعطاء الجليل الغربي إلى إسرائيل الذي كان مخصصاً للعرب. وقد دفع ثمن ذلك غالياً إذ اغتالته العصابات الإرهابية اليهودية في شوارع القدس بتدبير من إسحق شامير الذي أصبح رئيس وزراء إسرائيل.
إن انطلاقتنا بالتمسك المطلق بعروبة القدس عاصمة أبدية لفلسطين تستند إلى المعطيات الثابتة التالية:
أولاً: تاريخياً، القدس عربية منذ الأزل، منذ أقامها اليبوسيون العرب، وهم بطن من بطون الكنعانيين الساميين أهل البلاد الأصليين قبل خمسة إلى ستة آلاف عام. وكان ملِكُهُم الورع ملكي صادق، معاصراً لجد الأنبياء إبراهيم عليهم السلام في الخليل، وبينهما تلاقٍ روحي مثبت في التاريخ.
ثانياً: العرب دون غيرهم هم سكان فلسطين الثابتين عبر الزمن. والقانون الدولي واضح وقاطع بأن الوطن يعود إلى أهله الذين عاشوا فيه دون انقطاع على امتداد التاريخ.
ثالثاً: إن مما يدعو إلى الرثاء والاستهجان أن نسمع رئيس وزراء إسرائيل قبل أيام وهو يحاول مكابراً تبرير الاستيطان اليهودي غير الشرعي في القدس العربية، بقوله بأن اليهود بنوا في القدس قبل ثلاثة آلاف عام، وأن ذلك يعطيهم الحق في البناء اليوم. لقد قفز نتنياهو عن أكثر من ألفي عام من عدم وجود أي يهودي في القدس وسائر فلسطين، بعد أن نفى البابليون ما كان لهم من وجود قبلي قصير متقطع، في بعض أجزاء فلسطين. وعندما جاءت الفتوحات العربية الإسلامية في عهد الخليفة العادل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، قبل أربعة عشر قرناً، لم يكن للهيود في فلسطين أي وجود على الإطلاق. فقد أجهز الرومان على من تبقّى منهم بعد النفي البابلي، عقاباً لهم على انحيازهم للفرس في حربهم ضد الرومان، والمجازر التي ارتكبوها ضد سكان البلاد الأصليين، وقد دفن الآلاف منهم في مقبرة ماميلا التاريخية. وما أشبه اليوم بالأمس.
رابعاً: لقد دأب اليهود منذ احتلالهم للقدس الشرقية عام 1967، على إجراء حفريات أثرية منهجية تحت كل شبر من مدينة القدس المسوّرة، وتحت إشراف كبار علماء الآثار لديهم، وبالأخص في محيط المسجد الأقصى المبارك وتحته إلى أعماق بعيدة. لم يجدوا أثراً يهودياً واحداً، وباعتراف كبار علماء الآثار لديهم. كما فشل المستشرقون التوراتيون الذين وفدوا قبلهم في إيجاد أي أثر يثبت خرافاتهم التوراتية، التي وضعها ربابنة اليهود في العراق إبّان النفي البابلي، وكما يبين كتاب Digging Jerusalem ومؤلفته كينيان.
مدينة القدس القديمة كنز أثري عزّ نظيره في العالم. إنه يحتضن في بقعة صغيرة لا تتعدى الكيلومتر المربع الواحد، آثاراً كنعانية ورومانية وعربية إسلامية بينها قصور أموية وآثار عبّاسية وفاطمية وإخشيدية وأيوبية ومملوكية وعثمانية. فأين هي الآثار اليهودية التي يدّعون؟ لقد اعترف كبار علمائهم بانتفاء أي وجود لها على الإطلاق.
خامساً: من هم يهود اليوم الذين يحتلون فلسطين ويستندون في ادعاءاتهم على انتمائهم للجنس السامي؟ معظم يهود اليوم في فلسطين، كما في سائر أقطار العالم، ينتمون إلى أصول خازرية وأوروبية عديدة، وليس لهم أية صلة بالجنس السامي الأصلي. وإنني أنسِّب لكم قراءة كتاب قيّم وضعه مؤلف يهودي معروف هو آرثر كويستلر عام 1976، بعنوان: "القبيلة الثالثة عشرة". يتحدث المؤلف فيها كيف أن الخازار الذين كانوا يقطنون بحر قزوين وبولندا أرادوا اعتناق دين من الأديان السماوية. لم يعتنقوا المسيحية لأنهم كانوا يخشون التبعية للإمبراطورية البيزنطية في استنابول، كما لم يعتنقوا الإسلام خشية الوقوع تحت الحكم الإسلامي، وكانوا قبائل تتمسك بحريتها. لم يكن لليهود حكم أو سلطان في العالم فاعتنقوا ذلك الدين وأصبحت لهم خصائص يهودية عرفوا بها في مختلف الأقطار الأوروبية التي حلوا بها، وتعرف بلغة Yedish.
سادساً: ما زال عالمنا العربي يتذكر بحسرة وحنين الحضارة العظيمة التي أقامها أجدادنا في الأندلس وشبه جزيرة إيبيريا، وهي البلاد التي استوطنوها ثمانمائة عام أو يزيد. تلك أوطان تقع في قلب القارة الأوروبية، وتوسعنا فيها كان خارج الإطار الجغرافي أو المجال الحيوي للعالم العربي. فكيفك يكون الحال إذا سمحنا، نتيجة ظروف قاهرة، أو تاخر مؤقت في ركب الحضارة، أو تكالب أممي في ظروف في غير صالحنا، أن نخسر فلسطين وهي قلب العالم العربي والإسلامي روحياً وجغرافياً وتاريخياً وفي كل ما يمت إلى الوجود الكريم بصلات.
كان الملك عبد الله على حق عندما أعلن بأن القدس خط أحمر، ولم يخطئ طيب أردوغان عندما وصف طموح اليهود تجاه القدس بالجنون. إنهما يعرفان بأن العرب والمسلمين لم يجتمعوا في تاريخهم الطويل مثلما اجتمعوا لرد العدوان الأوروبي على القدس وفلسطين قبل نيف وثمانمائة عام، وأرغموا جحافل الفرنجة على العودة إلى البلدان التي أتوا منها. ولن يكون مصير المهاجرين الروس والبولنديين والألمان وغيرهم بمختلف عن مصير أسلافهم، طال الزمن أم قصر.
سادساً: نحن نعيش في عالم يسوده، ويجب أن يسوده ميثاق الأمم المتحدة، وقبله ميثاق عصبة الأمم في أعقاب حربين كونيتين مدمرتين أزهقت أرواح عشرات ملايين البشر. هذا الميثاق ينص من بين ما ينص على احترام السلام والسلامة الإقليمية لجميع الدول الأعضاء، ويمنع العدوان.
صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ذراعها التنفيذي عشرات، إن لم يكن مئات القرارات التي تضمن حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه فلسطين، منها القرار 181 الذي ينص على إنشاء دولة فلسطينية على ثلاثة أربع فلسطين الخضراء والمسكونة هي الجليل الغربي والضفة الغربية جميعها ومعظم القدس الكبرى القديمة والجديدة، الشرقية والغربية، مع امتداد عبر باب الواد يربطها بسهول فلسطين في اللد والرملة، بالإضافة إلى قطاع غزة حتى ما بعد عسقلان.
رفضنا تقسيم فلسطين فاغتنم اليهود الفرصة عام 1948 واحتلوا ثمانية وسبعين في المائة من مساحة فلسطين، أتبعوها بعدوان 1967 الذين أكملوا فيه احتلال فلسطين كل فلسطين، كما شردوا معظم أهلها. وقد صدر قرار 194 الذي ينص على حق اللاجئين غير القابل للتصرف بالعودة إلى ديارهم، والتعويض على من لا يرغب في العودة.
وفي أعقاب حرب 1967أصدر مجلس الأمن قراره المعروف 242 بوجوب انسحاب إسرائيل من جميع الأراضي التي احتلتها بالقوة، بما في ذلك القدس الشرقية بطبيعة الحال.
إسرائيل، حتى يومنا هذا ترفض الانصياع لجميع القرارات والمواثيق الدولية، بما في ذلك اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 التي تمنع منعاً قاطعاً انتقال أي مواطن من مواطني سلطة الاحتلال إلى الأراضي المحتلة أو الاستيطان فيها، كما يحافظ على حقوق الشعب الذي يقع ضحية الاحتلال. فأين إسرائيل من ذلك، في استيطانها الكثيف غير الشرعي في الأراضي المحتلة، الذي استشرى في طول البلاد وعرضها، وبالأخص في مدينة القدس وضواحيها التي بنى حولها حوالي عشرين بلدة تطوقها من كل جانب وتعزلها عن سائر أرجاء الضفة الغربية. بل إن هذا الاستيطان ابتلع أجزاء غير قليلة من الضفة الغربية عن طريق توسيع القدس عشرات المرّات، بحيث أصبحت تشكل سور القدس الجديد.
سابعاً: وإمعاناً في انتهاك حرمة أراضي الضفة الغربية المحتلة، أقامت سلطات الاحتلال ما أصبح يعرف بجدار الفصل العنصري الذي قضم مساحات كبيرة من الضفة الغربية، والذي أصبح يحجب النور والهواء ورؤية فلسطين المحتلة عام 1948، عن أهلنا في الضفة الغربية وغزة. ممارسات عنصرية ليس لها مثيل حتى في أوج الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
وقد تقدم الأردن بشكوى أمام محكمة العدل الدولية، أبلى أمامها أحسن البلاء، فأصدرت قراراً قاطعاً يشجب جدار الفصل العنصري، وكافة الممارسات العنصرية الأخرى التي تمارسها سلطات الاحتلال.
وقد جاء هذا القرار تأكيداً ودعماً لكافة القرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، والاتحادات البرلمانية العالمية، والتي اعتبرت كل الإجراءات التي أقدمت عليها إسرائيل إجراءات غير شرعية. وغير ذات موضوع ويجب إلغاؤها.
ثامناً: يرتبط الأردن ارتباطاً عضوياً بالقدس أرضاً وشعباً وتراثاً، عززه أداؤه المميز في حرب 1948، وما أمكن للأردن إنقاذه من فلسطين ومدينة القدس التاريخية الشرقية، وهي القدس التي يعتبرها العالم أرضاً محتلة، كسائر أراضي الضفة الغربية. وعلى الرغم من الاحتلال الجاثم على مدينة القدس وأكنافها، على امتداد نيّفٍ وأربعين عاماً، فقد ظل للأردن دور أساسي في حماية الأماكن الإسلامية المقدّسة، وهو دور ظل يمارسه عن طريق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بإصرار ودعم وتدافع، رغم جميع الصعاب. وجدير بالذكر أن ميزانية دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، هي جزء من موازنة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في عمّان.
وأود أن أشير مرة أخرى هنا إلى تصريح جلالة الملك عبد الله الثاني حول القدس، وكان تصريحاً هادفاً حذَّر فيه إسرائيل من مغبة الاستمرار في العدوان على حرمة الحرم القدسي الشريف، منذراً بأن جميع الاحتمالات مفتوحة، وأنه إذا كان العدوان السابق عام 1991 قد أدَّى إلى انتفاضة فلسطينية، فإن أي عدوان قادم سوف تواجهه انتفاضة إسلامية كبرى، وعلى إسرائيل أن تحمل هذا التهديد محمل الجد.
تاسعاً: كيف تبدو مدينة القدس القديمة اليوم بعد ثلاثة وأربعين عاماً من احتلالها وقضم ما استطاع الاحتلال قضمه منها، بهدف افتعال وجود يهودي قديم فيها، يبرر زوراً احتلالها واستيطانها؟
أود أن أُطمئنكم بأنه ورغم الجهود والأموال الطائلة التي بذلتها الصهيونية العالمية لتغيير المعالم التاريخية والجغرافية والديموغرافية للمدينة المقدّسة، فإنها كما شاهدتها في زيارة عائلية قبل أشهر، ما زالت على عهدنا بها، عربية إسلامية مسيحية تعلوها مآذن وأجراس المساجد والكنائس بكل بهائها وقدسيتها وحرماتها، وفي قلبها الحرم القدسي الشريف الذي يضم المسجد الأقصى المبارك وقبة الصخرة المشرفة والمسجد المرواني وكنيسة القيامة المجيدة وغيرها من المعالم والمدارس والرباطات الدينية. الضاربة في أعماق التاريخ.
إذا ذهب أحدنا للصلاة في المسجد الأقصى المبارك فسوف يرى كل هذه المقدسات والمعالم كما كانت عبر القرون، بما في ذلك الساحات الفسيحة العامة. والتي تشكل في مجموعها ربع مساحة البلدة القديمة الكلية.
وقد أكدت لي عالمة الآثار الدكتورة شادية طوقان قبل أيام، وهي المشرفة على ترميم المباني الأثرية والمنازل في القدس القديمة، بأنه رغم التغول والقضم الإسرائيلي، فإن أهل القدس مازالوا يملكون 90% من أملاكها ويشكلون تسعين بالمائة من مجموع سكانها، حتى بعد أن وسّع اليهود حيّهم القديم فيها توسيعاً كبيراً على حساب أحياء عربية أزالوها من الوجود.
عاشراً: لقد أعطيتكم الصورة المونقة المطمئنة الظاهرة التي تبدو عليها القدس المسوّرة لكل من يعيش فيها أو يزورها. ولكن، وهذه لكن مهمة، بل بالغة الخطورة، ذلك أن إسرائيل عملت، وما زالت تعمل بوتيرة جنونية جامحة، على إعادة ترميم وتجميع بلدة متصلة تحت البلدة القائمة فوق سطح الأرض، بما في ذلك أنفاق وغرف وأماكن عبادة تحت سطح الحرم القدسي الشريف.
إسرائيل تعلم، كما نعلم نحن، بأن القدس التاريخية تقوم على تراكمات مباني قديمة وأنفاق وقنوات مياه تعود إلى أقدم العصور الرومانية والعربية. بل إن صديقاً من ضباط الجيش العربي الأردني، الذي خدم في القدس قبل الاحتلال، أكّد لي أنه مشى تحت البلدة القديمة من باب العامود شمالاً إلى باب الخليل جنوباً، بسبب وجود تلك الأنفاق.
وقد كانت آخر خطوة أقدمت عليها سلطات الاحتلال هي، وكما أعلن رسمياً، إغلاق باب العامود، وإنذار أصحاب المخازن العتيقة فيه بإخلاء مخازنهم والمنطقة، لكي تفعل سلطات الاحتلال فيها هدماً وتغييراً وتبديلاً. إنها قامت بالحفر العميق تحت جميع المباني الملاصقة للحرم القدسي الشريف جنوباً عند موقع البراق الذي يسميه اليهود حائط المبكى، ويمتد شمالاً حتى باب الغوانمة وكلية العمرية.
كانت تلك الحفريات تتم بسرّية تامة، ولكن سلطات الاحتلال وقد قطعت شوطاً بعيداً في برنامجها التهويدي العدواني الطائش، أخذت مؤخراً تفتحه للزوار من أنحاء العالم، وتقيم الصلوات في ربوعه التحتية مختلقة أثراً يهودياً مزعوماً، أثبت جميع علماء الآثار اليهود انتفاء وجوده، وأعلنوا ذلك على رؤوس الأشهاد.
ومن هنا تتضح خلفية ما جرى في كامب ديفيد، في عهد الرئيس الأمريكي كلينتون، الذي حاول التوصل إلى شبه اتفاق شامل على مجمل قضايا الحل النهائي مع المرحوم ياسر عرفات من جهة وباراك رئيس وزراء إسرائيل آنذاك في أواخر تسعينات القرن الماضي. ما أجهض ذلك الاتفاق، كما رشح يومها، هو طلب إيهود باراك بأن تكون السيادة على الحرم الشريف للعرب فوق الأرض ولليهود تحت الحرم. وقد جُنّ جنون أبو عمار قائلاً إن الحرم الشريف هو ملك للعالم الإسلامي كله وليس للشعب الفلسطيني، كي يتنازل عن شبر من السيادة عليه. وانتهت المحادثات إلى الفشل.
أيها الإخوة والأخوات
لقد وضعت كتاباً باللغتين العربية والإنجليزية ضمنته سيرتي الذاتية المرتبطة بمدينة القدس، قبل وبعد الاحتلال الإسرائيلي لها بعنوان: "ذكريات مقدسية في سيرة ذاتية – Jerusalemites: A living Memory"، لقد صدر الكتاب قبل عام بالإنجليزية، وكنت قد سلمت النص العربي إلى مؤسسة الناشر رياض الريس في بيروت قبل عام أيضاً. ولكن النشر تأخر لأسباب تعود إلى الناشر، وإنني أتطلع إلى صدوره في أقرب وقت.
السيرة الذاتية تستذكر القدس الكبرى إبان الانتداب البريطاني، عندما كانت عاصمة فلسطين المزدهرة، ومقرَّ فعالياتها السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية والرياضية، ومقر الحكومة المركزية التي كان شعب فلسطين العربي، يُشكل غالبية أطقم دوائرها وأجهزتها، إلى أن حلّت نكبة فلسطين بكل كوارثها واستلابها وشهدائها وشتاتها وتداعياتها، التي لا زال شعب فلسطين يكابدها على امتداد ستين عاماً.
وقد تفاقمت بالكارثة الثانية في احتلال القدس وسائر الضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، التي أوجدت معطيات ومعاناة مريرة جديدة، ما زال الأهل يكابدونها تحت الاحتلال والبطش والاستلاب والاستيطان.
لماذا كتاب جديد، ولماذا باللغة الإنجليزية، بالإضافة إلى العربية، وقد امتلأت المكتبات العالمية بأعداد لا تحضى من الكتب، حول ما جرى في تلك المراحل المفصلية؛ الجواب هو أنها في معظمها، إن لم يكن جُلُّها، كتب وضعها الصهاينة ومؤازروهم، في محاولة لطمس، أو تبرير الجريمة النكراء التي ارتكبت بحق شعب فلسطين والأمة العربية، صاحبة الوطن والأرض والتراث منذ فجر التاريخ.
الكتاب يتحدث بإسهاب، ليس فقط عن القدس والضفة الغربية وعموم فلسطين، ولكن عن عمان العاصمة، وازدهار المملكة الأردنية الهاشمية، بعد وحدة الأردن وفلسطين عام 1950، وقد تقلدت خلال تلك الفترة مناصب مُهمة وحساسة، كانت موجهة لبناء صرح وطني قومي ناهضٍ وقادرٍ على خدمة أهله وخدمة قضية فلسطين ورفع المعاناة عن شعبها، في محافل العالم المختلفة، وفي منابر الأمم المتحدة، وفي لقاءات كثيرة مع قادة العالم في مختلف القارات. الكتاب يلقي أضواء ساطعة على حقبة مهمة من تاريخ الأردن، داخلياً وخارجياً عبر نصف قرن من الزمان.
أيها الإخوة والأخوات،
إننا نرى في الأفق تجمعاً وتكتلاً إسلامياً أخذ يشق طريقه نحو الانبثاق، ومحوره مصير القدس وفلسطين بشكل عام. وقد تمت الإشارة إلى هذا التكتل في القمة العربية الأخيرة، تحت عنوان رابطة دول الجوار، وهي كلمة متواضعة إذا أخذنا في الاعتبار، أنها تشير إلى تجمّع يضم تركيا وإيران وربما باكستان وهي التي تشكل العمق الإسلامي لعالمنا العربي الممتد من المحيط إلى الخليج في اصطفاف جغرافي سياسي متماسك. ذلك أن هذا العالم العربي الإسلامي لن يسمح لإسرائيل بالعربدة في هذه المنطقة الحيوية من العالم، وسوف يضع حداً لشططها وغلوائها سلماً أو حرباً.
كما أن العالم بمجموعه ممثلاً باللجنة الرباعية التي تضم الدول الكبرى الأعضاء في مجلس الأمن، والأمين العام للأمم المتحدة ممثلاً لمائة وواحد وتسعين دولة أعضاء في الأمم المتحدة، إضافة إلى أعداد متزايدة من الرأي العام الأوروبي والعالمي ممثلاً بمجتمعاته المدنية، قد ضاق ذرعاً بممارسات إسرائيل الإرهابية العنصرية الإحلالية بما في ذلك اتحاد الجامعات البريطانية الذي دعا إلى مقاطعة الجامعات الإسرائيلية عقابا لها على سكونها أو توطؤها مع الاحتلال.
الأوضاع في فلسطين آخذة وبوتيرة متسارعة، تشكل صورة قبيحة تذكر بنظام التطهير العنصري في جنوب أفريقيا، الذي اتحدت دول العالم وشعوبها على إسقاطه. وإنني لعلى يقين بأنه سوف يتحد، عملاً لا قولاً، وفي مستقبل قريب لإرغام إسرائيل على الانسحاب من الأراضي الفلسطينية والعربية المحتلة. وقد لا أكون أضرب في الغيب إذا قلت بأن الخريف القادم سوف يشهد خطوات حاسمة نحو تحقيق ذلك الهدف الذي طال انتظاره.أرجو أن لا أكون قد أطلت عليكم وشكراً.
من هو حازم نسيبة ؟
وُلد الدكتور حازم نسيبة (Hazem Zaki Nusseibeh) في مدينة القدس يوم 6 أيار عام 1922م، وتلقى فيها تعليمه في المرحلة الابتدائية، ثم أتمّ تعليمه في المرحلة الابتدائية، ثم أتمّ تعليمه الثانوي في كلية "فكتوريا" بالإسكندرية خلال الأعوام 1936-1940م.
تخرّج في العلوم السياسية من الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1943م.
تخرّج في القانون من معهد القانون التابع لحكومة الانتداب في فلسطين عام 1948م.
حصل على درجة أستاذ في السياسة، ودرجة أستاذ أيضاً في الشؤون العامة والدولية ودرجة أستاذ في العلوم السياسية من دائرة العلوم السياسية، ودرجة دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية من كلية وودر ولسن للشؤون العامة والدولية في جامعة برنستن بولاية نيووجيرسي الأمريكية خلال الأعوام 1951-1954.
عمل مساعداً ثم مديراً لدار الإذاعة الفلسطينية ومكتب المطبوعات بالقدس خلال الأعوام 1946-1950م.
كان رئيس الوفد الأردني في لجنة الهدنة الأردنية – الإسرائيلية المشتركة خلال الأعوام 1954-1956م.
وكيل وزارة الإنشاء والتعمير عامي 1956-1957م ووكيل وزارة الاقتصاد الوطني عامي 1957-1958م. ونائب رئيس مجلس الإعمار 1959-1962م.
وزير الخارجية عام 1962م وفي عدد من الوزارات اللاحقة حتى أواخر عام 1966م.
وزير البلاط الملكي الهاشمي 1963-1965م، ووزير الإنشاء والتعمير، وزير الدولة لشؤون رئاسة الوزراء المرة الأولى خلال عامي 68، 69م والمرة الثانية خلال عامي 1985، 1986م.
سفير المملكة الأردنية الهاشمية لدى كل من جمهورية مصر العربية وتركيا وإيطاليا 1969-1974م. وسفير غير مقيم في وسويسرا والنمسا في ذات الفترة.
مندوب الأردن الدائم في الأمم المتحدة خلال الأعوام 1976-1982م. بما في ذلك تمثيل الأردن والمجموعة العربية والآسيوية في مجلس الأمن الدولي عام 81/1982م.
عضو سابق في مجلس الأعيان عدة مرات أولاها عام 1983م.
أستاذ غير متفرغ للشؤون الدولية بالجامعة الأردنية 66/1967م-68/1969.
ومحاضر في كلية الحرب الملكية.
من مؤلفاته:
فلسفة القومية العربية (The Ideas of Arab Nationalism)، باللغة الإنجليزية صدر عن مطبعة جامعة كورنيل عام 1956م. وقد ترجم للعربية وإلى لغات أجنبية متعددة.
فلسطين والأمم المتحدة (Palestine and The United Nations)، صدر عن دار كوورتت عام 1981م باللغة الإنجليزية.
نحن والعالم، من منشورات دار الشعب – عمّان 1983م.
تاريخ الأردن السياسي المعاصر، ما بين 1952-1967، نشر عام 1990 عن مؤسسة آل البيت.
ذكريات مقدسية: ذاكرة حيّة (Jerusalemites: A Living Memory) صدر عام 2008.
ترجمة وتحرير منشورات:
تحرير كتاب الزعيم المغربي علال الفاسي، "الحركات الاستقلالية في المغرب العربي"، وترجمته إلى الإنجليزية. وقد أصدره المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية عام 1953م.
ترجمة كتاب الدكتور صبحي المحمصاني، "فلسفة التشريع في الإسلام"، وقد أصدره المجلس الأمريكي للجمعيات العلمية عام 1954م.
مجموعة من البحوث والدراسات منشورة في عدد من الكتب والمجلات المتخصصة.



