الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

يوم عادي آخر

يوم عادي آخر

الاحتفال بقدوم عام جديد تقليد كوني سلكته البشرية منذ القدم، وهو حق طبيعي وشأن شخصي في نهاية الأمر. غير أن رأس السنة المطلّ علينا هذا ينبغي أن لا يعني للشارع العربي سوى استعادة موجعة لفضيحة إنسانية كبرى، كونه يأتي محمولا على ذكرى مجزرة غزاوية حدثت في مثل هذا الوقت من العام المنصرم، وأضيفت إلى تقويم الألم الحافل بالظلم والامتهان، وقودها أطفال استبيحت أرواحهم في الأزقّة والحارات. لكن التأهب والتنافس بين الفنادق الكبرى على أشدّه لإقامة أقوى الحفلات والسهرات التي يحرص كثيرون على حجز تذاكر تبلغ قيمة الواحدة منها راتب شهر لرب أسرة تتكوّن من عشرة أفراد، على أقل تقدير. والأنكى أن تلك السهرات الباذخة سوف تقام في موعدها؛ لأننا بارعون تماما في فنّ النسيان. لن تعني المناسبة شيئا بالنسبة لعدد كبير من المواطنين الغلابى اللاهثين خلف كفاف يومهم؛ خبزا مدعوما بالعرق والأسى، غير المنخرطين بأي شكل في قلق تولّي المناصب الرفيعة التي شغرت جراء التشكيل الوزاري الأخير، غير العابئين، أصلا، بأسماء الوزراء الجدد وبمن مكث منهم ومن مضى، ليقين استقر في النفوس، بحسب استطلاعات رأي أجرتها صحف ومواقع إلكترونية، أنْ لا جديد في جعبة الأيام القادمات! وبالتالي، فإن رأس السنة الوشيك لن يعني بالنسبة لهم أكثر من يوم عادي آخر سيمضي بالميكانيكية الرتيبة ذاتها، وضمن منظومة الضجر ذاتها. قد يلوذ بعضهم بالنوم المبكر. إنه انسحاب مشروع ووسيلة مبتكرة للحد من استهلاك الطاقة، ولسوف يقضي جلّهم سهرات تلفزيونية عادية شأن كل الأيام، ذلك أن مشاهدة التلفزيون هو النشاط الإنساني الوحيد الذي تمارسه الأسرة الاردنية مجتمعة، وذلك ما سوف يحدث في بيوت كثيرة من دون شك. ستمضي الساعات الأخيرة لعامنا الكبيس هذا قبالة التلفزيون بالضبط، في تطبيق لعرف أردني بامتياز تكرّس نمطَ حياةٍ يومي، متسمرين قبالة الشاشة، وملاصقين لـ"الصوبات"، متفرجين بحنق على مظاهر الفرح والصخب الدائر رحاها في عواصم الدنيا التي تتقن مهارة العيش بأقل الكلف، حيث الشوارع شديدة الإنارة مكتظة بالبشر رغم البرد القارس، في طقس احتفالي عفوي بسيط ينطوي على تضامن إنساني مجاني، وفي لحظة شديدة الخصوصية هي بمثابة تعبير جمعي حميم عن عشقهم للحياة. يكمل المشاهدون الأعزاء في مختلف مناطق المملكة سهرتهم، متنقلين بين محطات تبث جميعها برامج ترويحية لا تقدم للجمهور سوى بهجة مصطنعة معلبة لا تخلو من استثمار مبتذل. سوف يغيب نهار آخر عن هؤلاء البسطاء العاديين الذين لا تميزهم أي ملامح فارقة باستثناء أعراض كآبة تتراوح حدّتها بين فرد وآخر، وفق إحصائية صادرة عن وزارة الصحة تفيد أن 20 ألف أردني يراجعون سنويا عيادات الطب النفسي. ووفق الإحصائية ذاتها فإن أعداد المصابين بأمراض نفسية في الأردن يقدر بحوالي مليون ونصف المليون شخص، مع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار استحالة حصر أعداد المرضى النفسيين من مراجعي المشايخ والدّجّالين من كتبة الحجب و"المخاويين لأسياد الجن" من ذوي الاختصاصات المختلفة! ورغم هذا الفضاء الثقيل المائل إلى السواد، ليس أمامنا سوى تكرار ما قاله سعد الله ونوس ذات مرض عضال: "نحن محكومون بالأمل". علينا أن نصدّق ذلك في كل الأحوال. وكل عام والجميع بخير. الغد
Khaberni Banner
Khaberni Banner