الرئيسية/فيس بوك تويتر
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

وصل الماء

وصل الماء

في فجرٍ مثل هذا، تحديدًا بينما تحمل جدتي ازعيله دلاء التنك وتمضي صوب بركة المحاسي شمالي الرمثا في أربعينيات القرن الماضي. البركة مصدر الشرب الرئيس للرماثنة بعد انهيار سد "البركة" الذي بناه أحمد باشا الجزار إكرامًا للشيخ الجليل ارشيد الزعبي (ت 1789م) صاحب المقام المعروف في الرمثا والشخصية الصوفية البارزة.

أسمعُ الآن أصوات انبعاج دلاء التنك بين كتفي جدتي، تخيل صوت الماء في الحديد! تخيل تسابيح الشابة القادمة من قرية بعيدة وتقطعُ الآن فجر الرمثا مع نساء كثيرات يمشين بسرعة ليفطر كبير الدار (لقب يقال للزوج) ولتلحق عجينها الذي تخمر وارتاح وسيَصلَى نارًا ذات صاج بعد قليل.

أرى الآن جدتي تجتاز المقبرتين (الحارة الغربية ومطلع دبة نمر) ثم تمر ببيوت المخادمة وأبو صباح ودار بايق ودار ابو خليل وعبد الغفور الحمزة والخبوب ورمضان. حطت دلاءها على الباب ومرت من "الخويخه" بهدوء وقوة شابة ستموت بعد خمسين سنة بالسُل والسرطان، وظهر لها جدي في "صيباطة" البيت، رجلٌ طويل تجاوز المترين بسروال حراري أخضر وشعر أسود، رجل سيموت بعد واحد وخمسين سنة بعد أن يكسر حوضه في فجر مثل هذا. وصلَ الماء.

إنها بركة المحاسي، ماء تعرفه الجدّات وفجرٌ تعرفه جدتي وصديقاتها المُتعبات. المحاسي بركة ماء انفجرت وحدها وافتتحتها الحكومة الأردنية عام 1949 بشكل رسمي في عهد ناصر بك الفواز، ثم افتتح خزان "الكيال" في أعلى قمة بالرمثا يوم كانت كل بيوت الرمثا لا تملك حنفية. خزان في الكيال حيث كان فواز باشا البركات يضع طبلًا كبيرًا ولا يُطرق إلّا لرد غارة أو لأمر جلل على مستوى حوران، كان يُضْرب الطبل فيهبُ أبناء صيتة من قرية الطرة قبل انتفاض الرماثنة ويتساءل الحوارنة قائلين "شو القاله؟!"، تمامًا كما تساءل جدي بينما تدخل جدتي بدلائها وقال: "شو ما ع بالكيش تروحي من المي وانتي تهرجي مع النساوين!". وصل الماء.  

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner