Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

وثيقة الأخوان بين المضمون والعنوان

وثيقة الأخوان بين المضمون والعنوان

كنت قد إنتقدت في مقالاتٍ سابقة عدم تقديم الأحزاب و القوى السياسيّة للرّؤى الحقيقية و البرامج المنطقية التي تُعين على إحداث الفارق في إدارة الشؤون المحلّية .

و رغم مبادرة أذرع حركة الأخوان المسلمين بتقديم ما أسمته " الوثيقة الإصلاحيّة " إلّا أن الفجوة كانت كبيرة بين الإعلانات التشويقيّة و مضامين الوثيقة النهائيّة ، بعد أن صبَّ أغلب الظنّ في زاوية أنّ الجماعة ستغيّرُ من شكلها و مضمونها للوصول إلى ما تصبو إليه من طموحاتٍ سُلطويّة ، إلّا أن الفرضيات راوحت الدرجة الطبيعيّة و لم تلعب الخبرة دوراً في عرض العضلات السياسيّة ، و تطابق سابق التوقعات مع لاحق الطروحات .

شكليّاً ، غابت ( البَسمَلة ) عن المقدمة و أُسقِطَ الدعاء من الخاتمة في أسلوبٍ مُغايرٍ للبيانات السابقة للجماعة دون أن تُعرَف الغاية من المُخالفة .

أمّا من حيث الموضوع ، كانت أشبه بالوثيقة التعريفيّة بتيّارٍ جديد لا الوثيقة الإصلاحيّة البرامجيّة لتيّارٍ عتيد ، و إكتفت بما بيّنت من خطوطٍ عريضة و أهدافٍ و سَردٍ إرتدّت على الجماعة بالنّقد ، فتوكيدات الوثيقة في نظر الموضوعيّين من المتعاطفين ( حشوٌ ) و من لزوم ما لا يلزم ، و في نظر النّاقدين أدلّةٌ على صدق بعضٍ ممّا إنتُقِدَت به الجماعة سابقاً من تفرُّدٍ و عُزلة و أجندةٍ عابرة للحدود ، فالتأكيد على ضرورة الإنفتاح على الآخر و تكافؤ الفرص و العدالة الإجتماعية و غيرها مما ذُكِر مُسلّماتٌ و قواعد إنطلاق لمن أراد الإنضمام لساحة العمل السياسيّ في الأردنّ و نقاط وصولٍ متّفق عليها لدى الكافّة - أو ينبغي لها أن تكون - و لا تليق بجماعةٍ مستقرّةٍ تجاوز عمرها عقوداً من الزمان ، و يبقى الفيصل المفقود والذي يُميِّزُ كلّ فئة أو طيفٍ سياسيّ عن الآخر هو فيما يطرح من سُبُلٍ لتحقيق تلك الثوابت لا الإكتفاء بالتأكيد عليها .

و الأصل في الوثائق التي تطرحها أو تستحدثها القوى السياسية العتيقة هو إماطة اللِّثام عن جديد الأفكار و الوسائل التي تكون أشبه ببرامج العمل الحكوميّة لا سيّما إذا كان المُعلِنُ راغِبٌ في الوصول إلى السُّلطة ، لكنّ السّجع و المترادفات و البلاغة اللّغويّة سيطرت على السّياق و أطبقَت على المضمون الحذر و شبه الخالي من الأدوات المطلوبة الناقلة للحركة ، ليكون المنتج النهائي أكثر تواضعاً من البينات الإنتخابيّة الفرديّة الشكليّة و مُجهضاً لأطماح الجماعة التوسّـعيّة .

كذلك سعت الوثيقة لترك مسافات أمانٍ و الإبتعاد عن بعض خطوط التماسّ الحسّاسة و أصابَت جزئيّا في إقرارها بـالخطأ الذي يرافق أي مسيرة بشريّة في إستجلابٍ لما نُقِل عن الإمام " محمد عبده " الذي يرى بأن " الدولة بشريّةٌ و خطّاءةٌ بينما الإسلام دينٌ كاملٌ مُنزّه عن الخطأ  " ، لكنّها أبقت نفسها بمعزلٍ عن مبدأ الفصل هذا و الذي يقرّبها إلى فكرة الدولة المدنيّة التي غابت عن الوثيقة قصداً بما يناقض ما أعلنه أحد قياديّوها مؤخّراً ، ما يؤكّد إستمرار تأثّر الجماعة بعرّابيّ الفكر القديم كـ " سيّد قطب " الجدليّ و المؤرِّق و بما يؤشِّرُ على نزاعٍ داخليٍّ مُطبِق .

كما صرّحت الوثيقة في ثبات الجماعة على نهجها السالف بإستحضارها لسيرة مؤسّسها " حسن البنّا " حينما أكدت على المباديء التي أرساها ، و كان الأجدر تجاوز هذه الأغلال المكبّلة للتغيير و لما يشكّله هذا الإستئناس من خطورةٍ بما يُرجِعه من ذاكرة لدى العارفين بتلك الحقبة التي لفّها السّواد على الأراضي المصريّة من فوضى و عمليّات إغتيالٍ قادها التنظيم السّرّي للجماعة - و إن كان البنّا قد تبرّأ منها - ، فكان من الحصافة الإبتعاد عن محفّزات الفكر السلبيّ و من السلامة إشاعة الطمأنينة لدى المتلقّي ، فالسياسة نظريّاتٌ و تاريخٌ ليس إلّا ، و إن إثبات الإختلاف و التغيير يستلزم التأكيد على نهجٍ جديدٍ و بعيدٍ عن النماذج المقلقة - أو تجنّب ذكرها على الأقلّ - أو إستبدالهما بالتأكيد على الإلتزام بسنّة الرسول صلى الله عليه و سلّم - الغائب تماماً عن الوثيقة - و هذا كله يسجّل عليها و لا يحسب لها .

و بناء على ما ذُكِر ، لم يجد حتّى مريدو الأخوان ضالّتهم في مادّةً دسمة تساهم بتسويق فكرهم و تقديم نسخة مختلفة الجوهر عن النسخ القديمة لها أو المثيرة للحساسية في المحيط ، رغم أن مهمّة التيارات السياسيّة الدينية - لأيّ دينٍ سماويّ - هي الأيسر في إستقطاب الجماهير مقارنة بغيرها ، فهي التي تجمع مؤيدين متعاطفين من غير المُسَيَّسين ، و تحصد أصواتاً إنتخابية منها و من القواعد التي لم تُجَيَّر لصالح الأطياف الأُخرى من باب الإيمان الفطريّ لا العقائديّ السياسيّ ، لكنّ هذه المكاسب لن تستمرّ مع الجمود ، فالمدارس السياسية حول العالم المتغيّر لا تعيش طالما بقيت ثابتةً تراوح أفكارها ، و لا أدَلّ على ذلك ممّا نُقل عن الرئيس الرّوسيّ " فلاديمير بوتين " حينما قال " أن من لم يأسف لسقوط الاتحاد السوفيتي إنسان بلا قلب ، ومن يريد إستعادته إنسان بلا عقل " و هذا ما يشبه " النظرية السياسيّة الرابعة " لصاحبها " ألكسندر دوغين " ، فحتى " الليبرالية " ستتآكل عمّا قريب و ستنسحب جبراً إلى نظامٍ مُختلطٍ أشبه بالذي يتبناه جلالة الملك و الأقرب إلى اليسار فيما يتعلق بالخدمات الأساسية كالتعليم و الصحة و إلى الرأسماليّ في باقي نواحي الحياة التي يثريها التنافس و يحقّق مصلحة الشعب بما يقدم من بدائل مختلفة .

أخيراً ، عجزت القوى السياسية عن تقديم أيّ جديدٍ يُذكر على صعيد الملفّات الوطنية جميعها رغم أن مهمتها المرحلية تقتصر على الرّأي دون عبء التطبيق ، و كلّما سعت إحداها لفتح شهيّة الجماهير المتعطّشة كُلّما كرّرت نفسها و ثبّطت العزائم ، فلا غيّرت الوجوه و لا بدّلت الصفوف ، و غلبت التقليديّة على نهجها و أدوات خطابها ، و عجزت جميعها عن محاكاة الواقع فالجميع في هذا الوطن هم أبناءٌ أو أحفادٌ لمحاربين أو مُهجَّرين عايشوا أحداثاً صعبة و دقيقة ، و عليه ؛ فالجميع هنا يعلم مدى إرتباط السياسة بأحوال البلاد عامّة و إنعكاسها عليها سلباً و إيجاباً ، لكنّ المتنافسون لا يدركون هذه الدرجة من اليقظة و الدِّراية الشّعبيّتين و اللتان تستلزمان طروحاتٍ أكثر واقعيّةً و أفكاراً من خارج الصندوق .

فهل تقدّم باقي الأطياف الموجودة على السّاحة فكراً محفّزاً أم بات ما دعونا إليه مراراً من ضرورة إستحداث كيانات سياسيّةٍ بديلة و جديدة هو المخرج الوحيد ، و أنّ البعض يلعب في الوقت بدل الضائع ؟

Khaberni Banner