الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

هَوانُ التعليم العربيِّ وإنقاذُهُ

هَوانُ التعليم العربيِّ وإنقاذُهُ

كانت مهنةُ التعليم قديماً من أشرف المهن على الإطلاق. فلم يكن يتسلَّقُ أعمدتَها العالية إلا قادرٌ متمكِّن، بعدَّتِه من الأخلاق أوَّلاً ثمَّ من العلم المتين. ولذلك أُتيحَ لآبائنا وأجدادنا من هذا العلمِ، حتى لو لم يُنهوا المرحلةَ الثانوية، ما يمكن أن يُباهوا به خريجي الجامعاتِ اليوم. وكانَ يكفي أن يُكملَ المرءُ الابتدائيةَ لتكون حياتُه عامرةً بحبِّ المعرفةِ، ومتَّصلةً بالكتابِ، وأن يكونَ متمكِّناً من مهارات القراءة، وقادراً على الكتابة المُبِينَة الخاليةِ من الأخطاء. تُضافُ إلى ذلك القدرةُ على استرجاعِ قصائدَ بكاملها وآياتٍ كريمةٍ وسورٍ من القرآن الكريم، من دون أن يتعثَّرَ اللفظُ، أو يختلطَ المعنى أو الإيقاع؛ فلا ينكسِرُ بيتٌ من الشعرِ، ولا يُضامُ قولٌ سائرٌ. فما الذي حدثَ ويحدُثُ اليومَ، وكيفَ آلَ التعليمُ في الأردنِّ وبلادِ العربِ إلى هذا الحضيضِ الذي لا يُرى قعرُهُ، وهل من وسيلةٍ لكي تنهضَ المهنةُ من جديدٍ؟ وقبلَ أن نذهبَ إلى الأسبابِ أو بعضِها، وإلى اقتراحِ العلاجِ، لابدَّ لنا من أن نصفَ مشروعَ إنقاذِ التعليم، بأنَّه أهمُّ مشروعٍ وطنيٍّ وقوميٍّ على الإطلاقِ. ولذا ليس بالإمكان أن يُترَكَ أبناؤنا وبناتُنا في هذا المرتَع الوخيمِ من استبدادِ الهَوانِ والضَّعفِ وعَماءِ البصرِ والبصيرةِ!! ليس ممكناً أن يظلَّ حصادُ التعليمِ ليس سوى الجهلِ، وتفاقمِ الأُميَّةِ، وخُواءِ المعنى.. ولا يصِحُّ أن يُترَكَ حبلُ التعليمِ على غاربِهِ، يخوضُ في بحره اللُّجِّيِّ هواةٌ وعَجَزَةٌ.. بل لا يجوزُ أن يتحوَّلَ هذا البحرُ القاموسُ إلى مياهٍ ضَحلةٍ، بل سبْخَةٍ مستَنقَعٍ، تُفقِّسُ فيها أشكالٌ عجيبةٌ من الحشراتٍ والكائناتِ المخيفة، أوَّلها العنفُ، وليس آخرَها ثقافةُ الكراهيةِ واحتكارُ الحقيقةِ وإلغاءُ السؤال والتفكير!! فإنَّ التعليمَ إن صَلُحَ صلُحَتْ البلادُ كلُّها بجميعِ مؤسَّساتِها وأجهزتِها، وصلُحَتْ الحياةُ المدنيَّةُ والسياسةُ والاقتصادُ والبيئةُ والصحَّةُ والأخلاقُ والأفكار. إن كنا حقاً نأبَهُ أن نُنقذَ التعليمَ من هَوانِه هذا، فلا بدَّ لنا حقَّاً من أن نهدِمَه عن آخِرِه، ونسوِّيهِ بالأرضِ؛ فلم يَعُدْ ينفعُ معه إصلاحٌ، ناهيك عن الترقيعِ. أقصِدُ أن نبدأ بخَلْقٍ جديدٍ لمؤسَّسةِ التربية ومحتواها، تتبنّى فيه الحكوماتُ ووزاراتُ التربيةِ سياسة التقويضِ من أجلِ البناء. وإذا كانت هذه الفكرةُ تبدو على درجةٍ من الخطورةِ، فإنَّها فعلاً كذلكَ، ولكنِّي أزعمُ أنَّها ناجعةٌ.. إذ كيف سيتبنّى الإصلاحَ جهازٌ تربويٌّ مهترئٌ وينتمي إلى الماضي الغابر، وحُشِيَتْ رؤوسُ أفرادِه، وهو بدورهِ يحشو رؤوسَ الأجيالِ، بكلِّ ما من شأنِهِ أن يُناهضَ الإبداعَ والابتكارَ وإعمالَ العقلِ؟ بل يصوغُ قلوبَ بناتِنا وأبنائِنا وآمالَهم على ظاهرِ المعنى، والسطحيِّ من الشواغلِ؟ ولذا لابدَّ من تخليص جهاز التربية والتعليم من كلِّ أؤلئك اللواتي والذينَ يناهضون النهوضَ والمستقبل والتغيير، واجتذابِ أنواعٍ أخرى من البشر التي تنتصرُ للحياةِ لا للموتِ، وللعلمِ وحبِّ المعرفةِ لا للاجترار، وللخَلْقِ لا للاتِّباعِ. وقد يكون ذلك بمنافسة الرواتب لمهنٍ أخرى كالهندسةِ والطبِّ، لدفع الطلبة إلى التخصصات المطلوبة للتربية، وهي تعلم أنَّها لن تعيشَ على الكفاف. إننا بحاجة إلى أن نردَّ الاعتبارَ إلى مهنة التعليم حتى تستقطبَ أنبهَ الناسِ، لا أكثرهم غفلة وسقوطَ هِمَّةٍ، ومن هم في قعر الموهبة، كما هو الأمر الآن. الغد
Khaberni Banner
Khaberni Banner