الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

هل تراجع مشروع اردوغان ؟

هل تراجع مشروع اردوغان ؟

مثلما هي حائرة منذ عقود بين اوروبا واسيا ، تمر تركيا حاليا في سياستها الخارجية بمرحلة اكثر حيرة ، بدات مع تحول اردوغان الى اتجاهات تبحث عن مجد شخصي وعن مجد اخر تطاير مع نهاية الحرب العالمية الاولى . ويقوم هذا التحول على ان الانغماس من جديد في الدائرة العربية الاسلامية ضرورة استراتيجية لتركيا ، بعد عقود من الابتعاد الاختياري رسم قواعده كمال اتاتورك وتبعه رؤساء تركيا من بعده. واذ انه منذ عهد اتاتورك ادارت تركيا ظهرها لاسلاميتها واسيويتها وتوجهت نحو التغريب معتقدة انه الوسيلة الوحيدة للدخول في عصر الحداثة ، حتى لوكان من بين الوسائل تغيير الكتابة التركية من الحرف العربي الى الحرف اللاتيني .

ولم تكن استدارة اردوغان هذه كلها اختيارا تركيا . بل فرضتها ظروف منطقة الشرق الوسط ، واغلاق اوروبا ابوابها امام تركيا لعقود ، عبرت عنها الشروط التعجيزية المتوالية لدخول تركيا الى الاتحاد الاوروبي . وهي في الحقيقة تعبير عن رغبة اوروبا في ان لايكون نحو ثمانين مليون مسلم اعضاء في اتحاد اغلبه دولا مسيحية .

بدا اردوغان رحلة العودة الى الشرق ، رغم ان عيونه لاتزال تنظر بشوق الى الغرب . ولم تكن الرحلة سهلة . فقد ادت الى دخول تركيا في ازمات سياسية واقتصادية وعسكرية . وبموجب هذا التحول ، ومع تصاعد الازمة السورية دخل اردوغان الى عمق الاجواء المتقلبة والالاعيب الدولية في منطقة الشرق الاوسط التي لايجيد فيها اللعب الا المحترفون ، والذين يجيدون اجراء الحسابات الدقيقة في حركتهم وخطواتهم السياسية .

وتورط اردوغان بين تعدد الخيارات . فمرة يتصرف كايديولوجي اسلامي ، ومرة يخوص في مستنقع المصالح والدور التركي الذي يسعى اليه في الشرق ، واخرى يقلب تحالفاته وفقا لخراب او عطب في علاقاته مع دول اخرى اما لموقفها مما يجري في الداخل التركي، اومما يجري قرب حدود بلاده .

ففي بداية الازمة السورية ، مضى بعيدا في معاداته لنظام الاسد ، معتقدا ان الغرب يرغب او يسعى للاطاحة برئيس سوريا. وبناء على هذا الاعتقاد ، وقف في مواجهة السياسة الروسية خصوصا . وكان اسقاط الطائرة الحربية الروسية فوق الاراضي التركية قمة التصعيد مع موسكو . وظن اردوغان ان الغرب سيقف الى جانبه في هذه الازمة ، بعد ان خذله في مسالة محاولة انقلاب غولن ورفض واشنطن تسليمه لتركيا . وعمق الغرب وخاصة واشنطن خلافها مع انقره بتاييد صريح وواضح للاكراد عدو تركيا التاريخي . عندها اضطر اردوغان لتغيير المسار والا تجاه ، وذهب الى مومسكو معتذرا عن اسقاط الطائرة الروسية في مناكفة واضحة لواشنطن التي تعرف ان هذه المناكفة سيتكون مؤقته ، اذ ليس هناك خيار لتركيا في النهاية سوى العودة الى الغرب ، ولعل روسيا تعلم هذا ايضا .

انخرط اردوغان مع موسكو وطهران في ادارة الازمة السورية ولايزال . ولكنه الطرف الاضعف في هذا الثلا ثي . فموسكو وطهران تحتفظان بقوات على الارض تفرض على الاسد ما تريد وتتحكم بمسار الازمه ، بينما تحتفظ تركيا بوحدات عسكرية تنشغل بحرب لاتزال خاسرة مع الاكراد في بقعة صغيرة من الارض في الشمال السوري .ثم انها لا تتحرك ضد اعدائها ، الا بعد اذن صريح وايمان مغلظة بالتاييد من موسكو وواشنطن .

لقد اودى بحث اردوغان عن الشعبية ورمزية الزعامة الى اخطاء كارثية في سياسته الخارجية، فبدلا على سبيل المثال من غض الطرف عن بعض المواقف الامريكية كما تفعل موسكوـ وهي دولة كبرى ـ يتحرك اردوغان ضد هذه المواقف بتشنج وحماس ، ممارسا للسياسة وكأنها مجرد خطاب امام حشد من الجماهير .,

ولذلك فان مازق السياسة الخارجية التركية ما زال قائما . فاردوغان يعرف تماما ان العلاقات مع الغرب ضرورة عسكرية واقتصادية وسياسية لابد منها . وان الاستمرار في التحالف مع موسكو امر يتسم بالخطورة على المدى البعيد .. فموسكونفسها مستعدة للتضحية بعلاقاتها مع اي دولة اخرى ، من اجل علاقات حسنة مع واشنطن خصوصا والغرب عموما .اما العلاقات مع طهران فهي خاسرة في الحسابات السياسية والا قتصادية. فطهران مشغولة بمشروعها الشيعي السياسي، وبمواجهة عقوبات اقتصادية شديدة الوطاة تفرضها واشنطن .

وفي الجزء الاخر من الدائرة العربية والاسلامية حاول اردوغان ان يتصرف كزعيم دولة كبرى . فقد ارسل قوات تركية الى قطر لمساندتها في نزاعها مع الدول الخليجية. وحاول دخول السودان بقاعدة عسكرية بعد ان بنى قاعدة في الصومال وقبلها ناصب الحكم المصري العداء من اجل الاخوان . وكل هذه التحركات تكاد تتلاشى لان خيارات اردوغان غير مستقرة وتتصادم فيها الايديولوجيا الاسلامية الاخوانية مع المصالح ، رغم ان شمس مشروع الاخوان توشك على المغيب بالتدريج في العالم العربي والاسلامي .

وفي الداخل التركي ، مازال اردوغان يلاحق انصار فتح الله غولن . ويكاد لو ان الظروف تسمح بذلك ايداع نصف سكان تركيا في السجون . اما الان فقد اكتفى بسجن 166الف تركي بالاضافة الى طرد عشرات الالاف من اعمالهم .

وزاد طين الداخل بلة ، بعد ان دخل الاقتصاد التركي في ازمة عزاها اردوغان الى مؤامرة خارجية ، متجنبا الاعتراف بفشل بعض قراراته الاقتصادية . ولجأ الى الشعب التركي الذي يعاني من زيادة التضخم لدعم الليرة التركية التي تراجعت بشكل لم يسبق له مثيل .

عناوين اردوغان الان هي : لاسياسة خارجية او تحالفات دولية مستقرة ، وفشل في عثمانيته الجديدة ، ومعاناة اقتصادية يضغط الغرب لتعميقها. فهل بقي شئ من مشروع اردوغان ؟ لانظن ذلك حتى لو ظل تصفيق الكثيرين له متواصلا .

Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner