علق جرس السؤال حديث مع جاري (الايطالي) عن حزب (اخوان ايطاليا) اليميني المتشدد بعد وصوله سدة الرئاسة، في الانتخابات الاخيرة.
نالت الرئيسة الجديدة من جاري، حظها الوافر، من السباب، فالجار متسامح جدا لكنه يكره العوج.
ثم عقب، كله شعارات في شعارات بالنتيجة المافيا تحكم، وهؤلاء السياسيون ليسوا سوى وجوه للاستهلاك.
نبهتني تلك الاجابة الى ان الحديث عن نفوذ المافيات، لم يعد امرا مرعبا
في انظمة الحكم الديمقراطية التي تجري فيها انتخابات، ولديها قضاء ووسائل رقابة شفافة.
، في الولايات المتحدة تصنف بعض التكتلات الاقتصادية والسياسية انها مافيا مستترة.
بل ان عددا من الافلام الوثائقية والتحريات الصحفية، ذهبت ابعد من ذلك، حتى الاعمال الدرامية، ومن لا يذكر (God father) وبطله الممثل الاسطوري مارلون براندو.
خطورة السؤال لا تكمن في التهمة التي يمكن ان توجه لأي نظام، فمؤسسات الحكم الديمقراطي بشفافيتها يجب ان تقف بالمرصاد لأي محاولة غير مشروعة للتسلل اليها.
وكمحام أمضي ربع قرن في النضال القانوني، لا اتهيب من طرح هذا السؤال في وطني الاردن، واعتقد ان الكثير من المسؤولين الذين تقلدوا اهم المواقع لا يخشون ان يوجه إليهم.
نعم ننتصر في بعض معاركنا وربما نهزم في اخرى لكننا لسنا مهددين، وجذوة النضال تبقى مشتعلة فينا، أيا كان الخصم وأيا كانت الخصومة، فالنضال القانوني والنظام القضائي، اوصلنا لمحاكمة ومحاسبة شركات كبرى وادارات حكومية وغير حكومية نافذة، وزراء وشخصيات ارتعدت لها الفرائص ردحا من زمن، وصدرت احكام قطعية بحقهم.
من يشعر بالخوف من السؤال إذا ؟؟
الجسم الاول، طبقة تمددت على مدى عقود في دهاليز البيروقراط الاداري، وهؤلاء يضعون اصابعهم الخمسة على افواههم عندما يوجه اليه السؤال.
لماذا ؟؟؟
اولا: هم يسعون دوما ان تلقي تهمة الاستئثار بالسلطة الى المجهول، بينما هم أنفسهم الفاعل المبني للمجهول، وهم من استأثر بها فترة من الزمن على حساب اغلبية مستضعفة.
ثانيا: يُسعّرون نار الازمات عبر الغوغاء الفاقدة للبوصلة القانونية واشاعة روح التخذيل، بكلمة (المافيا حاكمة) وانه لا يمكن النهوض بالأردن لا عبر عمل جماعي مؤسسي ولا (غيرو) سعيا منهم للإبقاء على منافعهم الفئوية الضيقة، وقد استطاعت الدولة الراشدة استئصال العديد من هذه الرموز، وازاحتها كليا عن المشهد، وهي تسعى بكل طريقة ان تعود اليه.
ثالثا: بينما تتكلف هذه الفئة المجاملات، امام الكاميرات تناهض فعليا، كل مشروع اصلاحي جاد، سرا، وتستخدم اقليات ترتبط بها عبر مصالح شخصية محدودة مرئية او غير مرئية ليزعموا ان الحل والربط لديهم.
الله يخلصنا منهم (ويسلبهم مدد الامهال).
اما الجسم الثاني، الذي يخشى السؤال،
فهو الاخطر جزء محدود من العامة، لأنها فئة همشت نفسها بنفسها، واكتفت بترديد العبارة (مافيا الفساد) مسيطرة على كل مفاصل الدولة، لتزيح عن كاهلها عبء النضال من اجل احراز الحقوق غلابا.
والاخطر هنا ان يزيح المواطن عن نفسه عبء مواجهة قرارات الادارة المنحرفة عبر الوسائل المشروعة ويتجه الى السلبية، او الغوغاء.
هذه العقلية هي المرتع الخصب لنفوذ اولئك المنتفعين من هذا الاحباط.
وقد نبه القرآن الكريم لخطورة هذا الاستسلام للمظلومية:
(ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)
(لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم)
وعملا بهذا النهج القرآني، كان ملك البلاد حفظه الله، يحث الهمم بلا كلل للمضي في تغيير الواقع للأفضل، من خلال تدعيم دور الشباب وحث الرعية عامة، بانه قد آن اوانكم لشق الطريق عبر البرامج، وطرح الحلول، والتظلم من خلال مراكز التأثير كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والعرائض والدعاوى.
وحذر، الملك من صالونات النميمة،
وبث روح السلبية والذعر في المجتمع
ما تقدم ليس قولا نظريا بل تكريس لحقيقة أصلها ثابت وفرعها في السماء:
—استطاع المعلمون ان ينتزعوا مطالبهم المشروعة في نقابة لهم واستطاعوا عبر النضال القانوني الحصول على قرار قضائي بعدم شرعية حل جسم النقابة.
رغم المعارضة والتحفظات الوازنة والثقيلة التي واجهتهم.
—استطاعت مطالب نيابية لاقت استجابة حكومية فورية وشفافة ان تلاحق مافيا تقليد التبغ في قضية (مطيع المشهورة).
— استطاعت الطعون الدستورية ان تعيد الامور الى نصابها لشريحة المستأجرين الجديرة بالحماية القانونية ومراكزهم القانونية المكتسبة.
— تمت ازاحة العديد من رموز الفساد الى غير رجعة بإرادة سياسية عليا .
—النضال الجماعي السلمي افضى الى اسقاط مجالس نواب لم تعبر عن ارادة الشعب .
—استطاع سائق باص عمومي ان يزيح مستشارا يحمل لقب (معالي) عندما صرخ بمظلوميته بالطرق السلمية
في تقديري ان عبارة (مافيا الفساد) تغدو فقاعة هواء ترددها الفئة المضللة والمضلَّلة عبر دعائم اربعة:
اولا:
التقصي العلمي الممنهج لأي قضية فساد، والشفافية في طرحها
ثانيا: حضور الدعم الشعبي لصانع القرار الرشيد، فقد اتخذت حكومات سابقة اجراءات جدية في كشف العديد من كشفت اوكار الفساد،
ولكن القوى الناقدة على طول الخط، لم تتآلف مع هذه الحكومات وبقيت العقلية السوداوية هي السائدة.
ثالثا: توظيف شفافية الاجراء القضائي، واعمال النيابة
واشير هنا الى امكانيات المكتب الاعلامي في الجهاز القضائي بالمزيد من الجهود التثقيفية للمواطنين عبر وسائل الاعلام المختلفة.
رابعا: الاستجابة للمطالب الجدية، بتفعيل تشريعات اشهار الذمة بقدر أكبر من الشفافية، وفتح الظرف المغلق.
لا اظنني احتاج لإجابة على سؤال المقال، في بلد لا ينام شعبه على ضيم، ويستمد ارادته من ملك عادل في كل مطلب مشروع وهو اول من يعبر عن مطالب الفقراء ولن تستعصي علينا قوى الفساد لأننا مع القيادة نفل الحديد بحديد اشد صلابة ومعنا السواعد الأمنية الطاهرة ابناء البلد وحماة عرشها.



