Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner Khaberni Banner Khaberni Banner

"نيتفلكس" يحتل العالم!

كما حدث قبل عشرين عاما تقريبا، حين تسلل “فيسبوك” العالم تدريجيا، حتى استطاع أن يحتل شاشات ملايين البشر عبر الكرة الأرضية. لكن هذه المرة، الوضع يختلف من حيث أن “فيسبوك” و”تويتر” و”انستغرام” وغيرها من التطبيقات، وعلى كل مساوئها الاجتماعية والنفسية والصحية، كانت على الأقل قنوات تفاعلية يرسل فيها الإنسان ويستقبل الرسائل والإشارات والمعلومات والمشاعر.

كان وما يزال هدف “فيسبوك” وباقي التطبيقات التي لحقت به، هو أن يتواجد الناس على مدار الساعة واليوم والشهر وحتى السنة للتواصل مع أصدقائهم باستمرار وأن يشاركوا معهم تفاصيل ما يعيشونه باستمرار في مختلف الأماكن والظروف.

وإلى حد الآن، ما يزال الكثيرون يستخدمونها للتواصل المستمر مع أصدقائهم ونشر المنشورات ومتابعة التحديث بدون أن ننسى ظهور الإعلانات بين المشاركات بعض الأحيان.

إنما ما يحصل اليوم مع “نيتفلكس” هو أمر مخالف لموضوع التفاعل. ذلك أن الإنسان هنا يتحول إلى متلقّ فقط؛ أي بمعنى آخر إنسان أكثر كسلا واتكالا ورتابة. فالأمر بالنسبة لتلك الخدمة منوط على مشاهدة كم هائل من الخيارات السنيمائية والتلفزيونية والرقمية، بدون أن يكون هنالك دور للمتلقي سوى صدى الفعل اللحظي أو الوقتي الذي لن يتجاوز دقائق معدودة!

الأمر بجد خطير ولا يشبه خوفنا القديم على أجيال لا تخرج إلى الشارع حتى تلعب، أو تحتك بالواقع والحقيقة. إنها حرب جديدة على حواس جديدة، ستنام هي الأخرى في سبات عميق، بحيث لا يصبح للإنسان إلا مداركه الحسية الأولية، ليكون حاضرا وموجودا.

ومن يعتبر هذا التحذير مبالغا به، فليعد إلى الوراء عشرين عاما حين كان الخوف من بعبع التطبيقات الذكية ثائرا وعابرا للقارات.

اليوم، قررت شبكة “نيتفلكس”، على سبيل المثال، أن تقتحم الهواتف الذكية، لتقدم للمتلقي قائمة وجبات ساخنة وباردة في متناول اليد وعلى مدار الساعة. ليس هذا فقط، بل وتعدته إلى تقديم وعود بمشاركة المشاهد التأثيرات الضوئية والصوتية المصاحبة للمشاهد؛ كالاهتزازات والإضاءات الليزرية والمؤثرات المرافقة للحركة والضرب والحرب.

الأمر لو تم تطبيقه فعلا، وهو سائر كما يبدو في اتجاه التنفيذ المبكر، فعلينا أن نقف فعلا لنضرب كفا بكف، ونقول على الجيل المقبل “يا رحمن يا رحيم”!

الجهة الوحيدة المستفيدة من هذا السيرك، هي الشركات المنتجة للأعمال الأكثر إثارة وشدا للجمهور. والجهة الأكثر خسارة بالطبع هي الجمهور ذاته.

لسنا ضد التطور في تقنيات المشاهدة وصناعة السينما والثقافة. لكن تحويل مسار اهتمام جيل كامل مستعد للانقياد الطوعي نحو الأسهل، باتجاه مواد محددة سوف يتلقاها ولا يتفاعل معها، ويعتبرها بالتالي مسلمات لا نقاش فيها، هو الرعب بمعناه الحقيقي.

Khaberni Banner