الرئيسية/قضايــا
Khaberni Banner Khaberni Banner

نويّر والحصيد..

نويّر والحصيد..

توقظ أم ملوح الشمس فتنطلق مع أبنائها (سرّوَه) لحصاد محصول القمح ، فيستيقظون والنعس يغشي عيونهم ، فما زال سواد الليل بادٍ ، وفي الجو لسعة من برد الصباح ونداه ، فيلبس كلّ منهم جاكيته الخاص بالعمل ، ويلف كلّ منهم شماغاً على رأسه ويتلثم به أيضاً. وكلّ منهم أعمارهم ما بين العاشرة والثالثه عشرة.

إذ يسيرون مع أمّهم ، وما أن يصلوا إلى الزرع فيجلسوا بجانب بعضهم البعض جِلسة القرفصاء ويبدأون بالحصاد بأيديهم الصغيرة المُسْمَرّة والمخشوشنةِ تلك ، لكنها أكثر حناناً ورِقَة على سنابل القمح من تلك الآلات الصمّاء ، فيعملون بعزيمة قوية تدفعهم للإنجاز بمحبةٍ وفرحٍ كبيرين.

إذ كانو يرددون (احصد ع البدري قبل ما تيجي الشوبه)..

أمّا أمّ ملوح فتمسك ب (المنجل) وهي تشجع أبنائها :  ( منجلي ومن جلاه... راح للصايغ جلاه..

وما خلاه إلا بعلبه... ريت هاللعبه فداه "عزاه"..

منجلي يا ابو الخراخش... منجلي بالقش طافش..

منجلي يا ابو دية يا اللي الك في الزرع هيه..

( فيغمّرون) الحصيد على شكل حُزم وهم ما زالوا نصف نائمين ، وحين يرتطم أحدهم بحجر أو تصادفه شوكة يصحو ، إلى أن يتبدد ذاك الظلام ، وترسل الشمس أشعتها الذهبية فتتبدد تلك الظُلمة شيئاً فشيئاً ، فتذهب أختهم نويّر إلى البيت مع أمّها لعمل إبريق من الشاي وإحضار الفطور ، أمّا أم ملوح فتنشغلُ ب ( شبّ النار) لخبز الخبز ، وأعمال البيت الأخرى.

ومن هناك فقد ترك أبو ملوح شياهه (مضحيّات) بالقرب منهم ليساعد عِياله في جمع (الغمور) والحصيد ، ووضعها في (الحِلّة) وهو يُشجعهم ويقول :

(يا حصّاد اكرب سيرك عين البيضاء لغيرك..

عين البيضاء للراعي..للراعي هالواعي..).

ويكرر ويقول :

(عفيه عليكم يا أولادي واليوم يومكم والله يحي النشامى) ، ليخفف عنهم العناء والتعب ويشجعهم على العمل.

إذ كانو لا يطيلون الوقت على (الغمور) من الحصيد خوفاً من دخول الافاعي فيها أو حولها ، إذ أنها ستُجمع بأيديهم ومن ثم توضع على ( القادم) وهو عبارة عن سلمين قصيرين بثلاثة درجات من الخشب القوي مثبتة بمحور خشبي من الأعلى وعند نصبة يشكل مثلث متساوي الساقين ، يضاف له زوجين من الخشب على شكل عصا يثبت كل زوج بإحدى أرجل القادم بقطعة من الحبل وفي الطرف الأخر من قطعة أخرى من الحبل واجبها تثبيت الغمور المحصورة على جوانب القدم .

ثمّ تُحمل إلى مكان أكبر وهو (الحلّة) ، أمّا عندما ينهوا الحصاد ويأتي وقت ( الرَّجاد) فيستخدمون (الشواعيب) فهذة تحميهم من أيّةِ آفة تكون قد اقتربت من المحصول.

ينظر ملوّح وإخوته فإذا بأختهم نويّر قد جاءت لهم بالفطور فتسيرُ فينةً وتجلس أُخرى ، فالشمس قد أشرقت وأرسلت خيوطها الذهبية التي تداعب خدودهم البريئة تلك ، الشاهدة على حبّات العرق التي كانت تروي الأرض قبل حبّات المطر ، وقد استقبلوا جيرانهم مع أبنائهم الذين جاؤوا لمعاونتهم في الحصاد.

 وهنا شعر الاولاد بفرحة غامرة ، فإنطلقوا وأصحابهم وكأنّهم في رحلةٍ ترفيهية ، وأبو ملوح يشجعهم بقصائدة فيقول : ( من عاونا عاوناه ومن عاونا عانه الله)..

زرعنا واحنا صحابه     بالمناجل ما نهابه

زرعنا دنا عنوقه        بالمناجل حنا انسوقه

إذْ كانوا يقومون بالحصاد قطعةً قطعة ويسمّونها ( وجه الحصاد) وهي القطعة التي يختارونها للبدء فيها فيقفون صفًا واحدًا لحصادها ، ومن يكون على طرف الوجه يسمّى ( الشاقوق) ومن يكون على الطرف الآخر يسمْى (الجحاش) .

 ويكرر أبو ملوح وجاره أبو راكان:

 ‏يا حصّاد بلا معلم .. ســلّم على الوجه سَلّم

يا حصّاد بلا معلم .. سلّم عللي ييجيك سلّم

أما نويّر وصويحباتها فأسرعن وراءهم يلقطن ما سقط من السّبل وهنّ يرددن" وين فطور اللقطات سمن وبيض الرقادات  " ومرةً يفركن إحدى السّبلات ويأكلن حبات القمح فتكون كأنّها اللبان ، وأخرى يستلقين على الأرض ليشاهدن حركة الشمس في السماء ورفرفة تلك العصافير منطلقةً بفرحٍ كبيرٍ للأعلى .

أمّا الجارات فأخذن يجمعن غلّتهن ومونتهن من القمح من هذا السبل ، وبعضهن أخذن يجمعن القش ليستعملنه في النسيج بعد ذلك ، ومن الجميل هنا أنّ الحصادين يتركون النسوة يخترن ما يناسبهن من القش دون انزعاج ، لأنهم يعتبرون هذا فضلاً من اللّه ، فيتقبلونه بلسان شاكر ذاكر ، إذْ ينسجن منه ( مشط القمح)  و( كف القمح)  و(قشط القمح)  ويُعلقنه على جدران المنزل رمزاً للعطاء والخصب.

أمّا غنم أبو ملوح فقد أعجبها طعم القمح مما تبقى وراء اللقاطات فأخذت تقترب من الحصادين شيئا فشيئا وهي (تتثاغى) ، فأخذ ملوح وذهب ليقف بينها وبين الزرع ، وهو يستمع إلى خطوات أرجلهن وصوت قضمهن لما سقط على الأرض من سبلات القمح و(العَقير) وسيرهن سوياً وبخطوط متوازية وبنظام لا عشوائية ، فيجلس أمامهن فلا يتقدمنه أبداً ، فيُفكر في خلق الله " سبحان من علّمها".

تبقى عائلة أبو ملوح فترة من الزمن وهم يوقظون الشمس صباحاً ، و يسيرون مع الندى ، إلى أن ينهوا حصاد محصول قمحهم ، ويكتمل ( البيدر) ، فجميعهم ينتظرون ( الجورعة) إذْ ينتظرهم في المساء طبق ( البحَتة) الذي يعشقون (الرز بالحليب والسكر) ، فتسكبه أم ملوح في طبق كبير وواسع ويجتمع عليه الجميع بحبّ وفرحٍ كبيرين .

 أمّا نويّر فتبدأ فرحتها بعملية ( دَرْس البيدر) إذ يحضر أبوها اللوح الخاص ب ( دَرْس البيدر) وهو لوح حديدي كبير يجره بغل ، فهنا تبدأ لعبة نويّر وصويحباتها وأطفال الجيران ، إذْ يركبون على اللوح وهو يدور على المحصول وضحكاتهم تملأ السماء فرحاً ، فلم يعرفوا ألعاب الكهرباء وملاهيها ، لكنّها عندهم كانت الأروع والأجمل من ذلك ( الجبل الروسي) أو غيره ، وهم يغنون :

 ‏يا حمرا يا لواحة.. لونك لون التفاحة.

 ويسرع جيران ابو ملوح ل مساعدته، فيمسك أحدهم ب (المِذْراة) ، بمساعدة من الريح الغربية المعتدلة ليفصل القمح عن التبن والقش فمن هنا جاء المثل " صرنا شرق العواذر" وهو يغني فرحاً:

هَبّ الهوا يا ياسين يا عذاب الدّرّاسين..

هَبّ الهوا يا حنيني صار الظعن ظعنينِ..

ومن ثم يبدأ أبو ملوح بكيل القمح بالصّاع ، فقد أعد نفسه جيدًا لذلك ، فقد توضأ واتجة نحو القبلة وبدأ بالكيل والجميع متحلّقٌ حوله من أطفال وشيوخ ونساء وهو يكيل ويقول : ١. الله واحد ٢. ماله ثاني ٣. ثلاثه ٤. الربح من الله ٥. خمسه ٦. سترك يا الله ٧. سمحه أو السماح من الله  ٨. يله الأمان ٩. تسعد يلي يصلي ١٠. عشرة رسول الله ١١. ياهادي ١٢. بركة من الكريم.

إذ كان يتسع شوال الخيش ( أبو خط أحمر) ل ١٢ صاعاً.

 أمّا نويّر وصويحباتها والأولاد فتحلّقوا حول أبو ملوح ينتظرون ليُعبأ لهم كلّ في (شليله) ، لينطلقوا لشراء حلوى ( الكعكبان) ، إذ يسمونها الفلاحين ( براكة) نسبه إلى البركة التي يطلبون ، فيأخذونها منطلقين لشراء تلك الحلوى التي لم تنسى نويّر طعمها ابدًا مع تلك الفرحة الكبرى بمحصول قمحهم.  

Khaberni Banner Khaberni Banner
Khaberni Banner